في الحكايات الشعبية طاقة كبيرة من المعاني النبيلة والحِكم، يظل مغزاها فاعلاً، رغم تقادم العصور. وربما أن أكثرها تأثيراً، تلك الحكايات البسيطة التي تنتقل من جيل لأخر بشكل عفوي، وتحفظها الذاكرة الفطرية لتستعين بها على تفسير أو تدبير أمور الحياة، ومنهـــا هـــذه الحكايــة الكردية:

كان هناك حماران يعملان في خدمة مزارع. وفي يوم ربيعي، تمكن أحد الحمارين من الهرب، وكابد المزارع وزوجته الأمرّين، في محاولة إعادته، لكن دون جدوى. وكان الحمار الهارب يتعمد الوقوف على مسافة بعيدة، والنظر باتجاه المنزل وكأنه يسخر ويتحدى. اغتاظ المزارع، فسارع إلى شجرة الرمّان وانتزع منها عوداً قوياً ولدناً. وانهال ضرباً على الحمار الأخر المربوط إلى الشجرة.

والذي لم يسعفه نهيقه وهياجه في تخفيف غضب المزارع. هنا تدخلت الزوجة وحاولت ثني الزوج عن ضرب الحمار المسكين، وهي تسأل باستغراب: هل هذا جزاء الحمار العاقل؟ رد المزارع الغاضب: هذا العاقل إذا فرّ سيكون أسوأ من ذاك الفلتان.

المغزى يا كرام، أن اللطافة والكياسة والطيبة والتفاني في العمل، لن تمنحك الرضا. وعليه، فإن الذين يمضون أعمارهم على مبدأ (الحيط الحيط ويا ربي السترة)، ليسوا بمنأى عن العقوبة. والأدلة شاهدة من حولنا، وكانت السينما قد أعطت مثالاً أوضح ذات فيلم، مطلع سبعينيات القرن الماضي، عندما صرخ الضابط في وجه الشرطي، فتوجه الأخير إلى فلاح مجاور يمسك بخروف على قارعة الطريق وعنفه وأهانه بعبارات تشبه الصفعات. فما كان من الفلاح إلا أن انهال ضربا على الخروف المسكين.

وذات مأساة سورية، اختبأ أحد المسلحين داخل بناء سكنـــي كبير. فما كان من الشرطة إلا إطلاق قذائف مدفعية على المبنى، حيث انهار فوق ساكنيه. ويتكرر المشهد كثيراً، وتعود حكاية الحمار الهارب إلى الواجهة:

حيوان مسكين لا ذنب له سوى الطاعة العمياء، وشعب أعزل لا حول له، سوى الإذعان، وكأن قانون الغاب يتمثل في أبهى صوره: القوي يضرب الضعيف، ويأكله أيضاً.