خمسون سنة، وربما أقل، هي عمر الدساتير والبرلمانات والجيوش الوطنية والأغنيات الحماسية والشعارات المخترعة، عربياً، أو المستوردة من رفاق الأمس. هؤلاء الرفاق الذين هجروا الهتافات وانضموا إلى سارية سواس وهي تغني (لأهجر قصرك وأرجع بيت الشَعر)، أو الذين يبيعون أسرارهم العسكرية على أرصفة العالم الحر، ولسان حالهم :(اعطني نقوداً وخذ وطناً).
عندما كنا نقرأ لكتاب ساخرين، مثل محمد الماغوط، كنا نشعر بالمغالاة في نقد الأنظمة. ونحس بمزيج المتعة والألم، لأنهم يضعون أصابعهم على الجراح التي تدغدغنا وتبكينا. تلك الجراح لم تندمل طيلة نصف قرن، بل زادت عليها قروح وجروح، لا سبيل إلى شفائها ونحن نرى كل القضايا التي ناضلنا للفوز بها قد خسرناها، أو جاء أحد ما من كهف مظلم وسرقها.
ذات مقال للراحل نبيل خوري، أشار فيه إلى سنوات الخمسينيات والستينيات، التي كان هاجسها الوحدة العربية، ثم في السبيعينات والثمانينيات تخلو عن حلم الوحدة نحو التضامن العربي.. وفي التسعينيات وما تلاها من أعوام، بدأت المطالبة بإيقاف الحروب العربية العربية. وأطالب بدوري بوقف التآمر. وأضيف من عندياتي أيضاً : ما أحوجنا اليوم إلى عصر التنوير، وإلى متنورين أمثال الكواكبي والأفغاني ومحمد عبده وغيرهم.
قضايا خاسرة، دونها رياض نجيب الريس في كتاب بالعنوان ذاته: (قضايا خاسرة، من الإسكندرونة إلى البلقان، ومن عُمان إلى الشيشان)، المطبوع في بيروت عام 2000، والذي يفتتحه بقول للإمام الشافعي : "
وإن رأوني بخيرٍ ساءهم فرحي
وإن رأوني بشرَّ سرَّهم نكدي"
من ذلك الكتاب، أقتطف من مقدمة الريس :" إن القضية إن وجدت النصير، فلا بد من أن تجد الطريق. لقد علّمنا الماضي أن كل قضايا الأوطان تبدأ بحلم شاعر وقلم كاتب وعناد محارب ونبوءة تاريخ.
ما خسرناه من أحلام خلال النصف الأول من القرن العشرين، تضاعف في مطلع القرن الواحد والعشرين، فقد كانت لدينا أوطان، واليوم لدينا خرائب تحتاج إلى نصف قرن للعودة إلى عالم العشوائيات التي كانت تحيط المدن الكبيرة بأحزمة من الفقر والقهر والمذلة، تلك القنابل التي انفجرت في وجه الطغاة ولا سبيل إلى إيقافها اليوم".