يعيش جمهور الفضاء الافتراضي، عالماً من الخصوصية، المبني على حجب الستائر، حيث يمكن لأي كان، أن يصبح بطلاً أو عالماً أو طبيباً، أو في أي مهنة يحب أو لقب يرغب. ومن خلف الشاشة الزرقاء، سيجد صدى لعالمه وسيعثر على من يتواصل معه ومن يعقد الصداقات والصفقات والاجتماعات. وفي ثوان، يمكنه أن يلغي هذا العالم، وأن يتنصل من كل ما فعل، وكأن شيئاً لم يكن.

في ذلك العالم، نشأت ثورات وأقيمت تظاهرات، وكتبت عبارات منددة، وأخرى مؤيدة، لأنظمة وأشخاص، يشكل وجودهم في الحياة السياسية معضلة كبيرة، ويثير أسئلة أخلاقية عن حقيقة العالم الطبيعي الذي يعيش فيه الأشرار، كما الأخيار. ويتصارع فيه أزل الخير مع لهيب الشر، عالم ملون من الأكاذيب والحقائق، أو عالم من الفرح والسعادة، إلى جانب الحزن والتعاسة.. عالم سرعان ما يموت بكبسة زر.

خلف تلك الشاشة المضيئة، يخبئ الأشرار وجوههم ويحجبون أفكارهم السوداء، وينصبون شباك السحر حول أصدقاء يأتون من عالم البراءة ويوهمونهم بالعالم الافتراضي الذي يصنعونه أبرياء، لقلة تجاربهم في الحياة، أو لصغر سنهم، يقعون في الشرك فتجدهم يؤيدون القتلة ويناصرون الأشرار.

وغالباً ما يزين الأشرار صفحاتهم الشخصية بصورة لفتاة جميلة، وأحياناً صورة مثيرة أنجزت بطريقة الفوتوشوب لجذب أبرياء الشاشة الزرقاء.

ذات يوم عرضت علي إحدى تلك الصور الجميلة صداقتها، فتصفحت الموقع، وكان عادياً بصوره وأغانيه وآراء صاحبة الصورة، التي قالت إنها من قرائي الدائمين. فقبلت الصداقة.. لأكتشف في ثوان قليلة، أن الصفحة الحقيقية أنشأها بعض الشبيحة والقتلة، وأقل الصور الموجودة فيه، شأناً، تلك التي تظهر حذاءً عسكرياً فوق رقبة شخص مسكين.. وحملت تلك الصورة تعليقاً يقول (فرع الدعس)!

ثلة من القتلة جاؤوا من عالم (الدعس) إلى الـ"فيسبوك"، بعد أن لفظهم العالم الحقيقي. فها هم ينقلون شرورهم إلى عالم افتراضي، طامحين إلى فوز، ولو كان وهماً لاعتقادهم أن الحياة لم تغلق الباب في وجههم بعد، هؤلاء قبل لفظهم، يستحقون الشفقة لأنهم ضحايا أمراضهم وأوهامهم.