انشغل الناس بمفردات السياسة والثورات والربيع والتحاليل الإخبارية، وتركوا الكرة والمسلسلات، إلا قليلاً. وظهرت طبقة من المنظرين اليوميين والخبراء المحللين في نشرات الأخبار، بعضهم لا علم لديه بسؤال المذيع عن حال الحرب، لأنه لم يسمع الأخبار منذ يوم أمس، لكنه وجد الوقت للظهور في نشرة الصباح ليحلل وينظّر. وبعضهم لا يمتلك قاعدة مرجعية في ذهنه لعبارات متداوله يومياً، وغيره من المحللين لا يمكنه التفريق بين المعاني والمصطلحات.
هنا نثبت بعضاً من المصطلحات والجمل، فعلى سبيل المثال: الثورة ليست المعارضة، الجيش الحر ليس اللصوص والحرامية، "راديو سوا" ليس موضوعياً، الموظف الرسمي ليس "منحبكجياً"، المنحبكجي ليس بالضرورة سورياً (شبيحة لبنان نموذجاً)، الحوريات لا ينتظرن كل الشهداء، الشهادة كلمة فضفاضة في القواميس الدينية، الباحثون عن الانتقام ليسوا ثواراً، ناشطو الـ"فيسبوك" ليسوا أدباء، أدباء الورق ليسوا رجعيين، الرجعية العربية مصطلح ينطبق على اليساريين، يساريون يرون في الأنظمة القمعية آخر مشجب لفورات غضبهم.
ويمكن تعليق عشرات، بل مئات العبارات على شاكلة ما سبق، حيث هناك الكثير من أنواع السخرية ذات البعد السياسي المختلط بالثقافي، ويمكن أن تصرف في نشرة الصباح أو المساء أو على رأس الساعة، كما اعتاد قوله بعض مقدمي نشرات الأخبار المسموعة.
كثرت استوديوهات الأخبار، وفي كل محطة هناك مقدم نشرة ومحلل على الهواء. ومن خارج الحدود محلل آخر يتداخل نافياً كل ما قاله الآخر. ومن ثم ينسحب أحدهما أو يتصارخان أو يتشاتمان، أو يكذبان بعضهما البعض.. وفي المحصلة لم ينل الخبر حظه من المعلومة، وتكاد تكون المحطة لا تمتلك معلومات إضافية، سوى جُمل عديدة سريعة، ثم تترك الحبل للمحلل، حتى يعلق على الخبر الهزيل.
هل من الضرورة أن تتخم المحطات بالمحللين للتعليق على الخبر؟ وهل أن عدم توافرهم يعني أن المحطة تستعين بعباقرة الكلام الذين يدورون حول أنفسهم؟ أليس من الحصافة والذكاء أن نسمع الخبر ضمن ما يتوافر من المعلومات؟ وأخيراً، هل يجب على تلك المحطات أن تبث 24 ساعة من الرغي واللعي، أم تكتفي بما تيسر من أخبار؟