إذا طال أمد الحروب صار اليأس عنوانها، ووجدت المجاعة طريقاً إلى أفواه الناس وتحول ما هو إنسانـــي إلى وحشـــي.
ومجاعـــة الحـــروب أسوأ أنــواع المجاعات لأنها بفعل البشـــر وليست بسبب كـــوارث الطبيعـــة وتقلبـــات المناخ. مجاعـــة الحروب فيها من القسوة ما ينفي صفة البشر عن مسببيها، لأنهم يدركـــون كـــم مــن الأطفـــال سيقضون وكم مـــن الكبـــار سيعانـــون، ناهيك عن المرضى والمسنين، وغـــيرهم من الضعفـــاء في الأرض.
ساهمت الظروف السياسية للحروب في وحشية البشر، فتراهم يحبسون الطعام ويحرقون المحاصيل ويلوثـــون المـــاء ويقتلون الضرع والزرع، تماماً مثلما اغتصبوا النساء وأهانوا الشرفاء وهدروا كرامة البشر، فمــا الذي سيمنعهــم عن إتيان أفعال أخرى كتجويع الأطفال.. الأطفال الذين أبادوهم بوحشية لم يعرف لها أحد مثيلاً، أو تــدمير كل مصنع أو حقل، مدركين أن سياسة الأرض المحروقــة، طريقهـــم إلى الانتقـــام والتشـــفي، وليـــس للفـــوز في الحرب.
لم تفلح كل قوانيـــن العالم المتحضر، في الحد من أسباب المجاعة، لأن الحروب لا أخلاقيـــة ترى في القوة مصدر السلطة وليس مصدر الخير وحماية الحق، فضلاً عن محتكري المواد الغذائية الذين لا يقلون في سوء عملهم، عن مجرمي الحروب ومنتفعـــي الكوارث، هـــؤلاء الذين يكنزون الطعام في أقبيتهـــم والذهب في خزائنهم، لا يأبهون لمعاناة النــاس وعذاب البشر.
عانت البشرية من مجاعات متنوعة، أقلها كان بسبب الكوارث الطبيعية وأسوأها كان بسبب الحروب، خاصة حروب النصف الأول من القرن العشرين، حيث قضى الملايين نحبهم حول العالم، بسبب الحربين الكونيتين، الأولى والثانية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد من القرن العشرين، بل ضربت المجاعة مناطق واسعة من إفريقيا بسبب حروب الإبادة العرقية التي اقشعرت الأبدان لهولها.
وتعد المجاعة في الصومـــال الأقسـى والأقـــذر في القرن العشرين، إذ كانت من أكبر المجاعات التي مرت على العالم، حيث انقطعـــت الموارد ومات الآلاف من الأطفال، ولم يكن السبب هو الجفاف الذي يضرب القرن الإفـــريقي، كل حيـــن وآخر، بل الحروب وأمـــراء الفصائــــل الذيـــن تشبه معاركهم (اقتتال الديكة على المزبلة)، حيث تلمع البنادق على أكتافهم، لكن أياديهم خالية من الخبز.