أفرزت السطحية، فيما أفرزت، أنظمة سياسية قمعت الشعوب وأطالت الطريق نحو طموحات الناس، وجعلت من المستقبل مفردة في الرعب وقفـــزة في هاوية المجهول، ولم تكتف تلك الأنظمة بتجهيل الناس، بل عادت الثقافــة والمعرفة فتراجع البحث العلمي والإبداع وصارت السطحية عنواناً عريضاً للفوز بمنصب أو وظيفة كبيرة.
أدت السطحية عبر نصف قرن، إلى سوء الاختيار عندما دخلت الديمقراطية حياة العرب، وليست السطحية في اختيار (الإخوان المسلمين) لحكم مصر فقط، بل في إرسال نواب ليسوا أكفاء، إلى البرلمانات، وفي إصدار قرارات أو حماية مشاريع تصب في خانة الجهل والتخلف. والسطحية الأبرز أن يمارس السياسة من لم يتابع نشرة أخبار في حياته.
لكن السطحية تبدو في أبهى صورها، عندما تكون في عالم الفن أو الأدب، وكم هو مخجل جيش من الكتاب الناشئة، يؤلفون الروايات ولم يقرأوا لنجيـــب محفـــوظ أو البؤساء أو أمهات الروايات في الذاكرة الإنسانية. وكم هو مخجل هؤلاء الذين يُخرجـــون الأفلام السينمائية لمجرد امتلاكهم كاميرا ثمينة، أو لأنهم أدمنوا مشاهدة أفلام هوليوود، ولكنهم لا يعرفون شيئاً عن جان لوك غودار أو فلليني أو كيروساوا أو تاركوفسكي أو بيرغمان، أو غيرهم من عظماء الفن السابع.
السطحية الأقسى في الإدعاء، في التنظير، في الفهلولة، في قيادة الجماهــير، في توجيه الرأي العام. والفكر السطحـــي (تعريفاً)، محدود بالشكل الظاهري للحدث من دون التوغل في عمقه، أي الفشل في التوصل لفكر موضوعي أو حقيقي أو حتـــى مقارب للحقيقة، عن حدث محدد يقع في العالم. الفكـــر السطحي هو رؤية من اتجاه واحد، وغالبا ما يكـــون الأقصر والأسهل، ثم أليست تلك السطحيـــة هــــي صفة واسعة الانتشـــار بيـــن معظم الشعـــوب العربية؟
الكسل، الخوف، العدوانية، الإحباط، التعصب، الاتكالية، الغرور، الطمع.. صفات يمكن أن تكـــون عنواناً لسطحيــــة نلمسها في من هـــم حولنـــا، غير أنهم في أماكن يجري الاعتقاد لدى الكثيرين، أنهم فوق المعرفـــة وخارج المساءلـــة، ولذلك تراهم لا يكتفـــون بسطحيتهم بل يصدرونها إلى آخرين حولهم، فتصبح صفة اجتماعية قلة من ينتقدونها، أو لا أحد يراهـــا، عيباً أو خجلاً.