يمثل حياد المثقف، اليوم، مزيداً من التخاذل. فبينما هو يرى من حوله كل هذا الدمار والقتل والظلم، نجده غارقاً في نشوة الأنا، بعيداً عن الواقع، ذلك في وقت يصبح فيه الصمت جريمة أخلاقية، ليس لأنه يصنف في حقل التخاذل فقط بل كونه قفزاً فوق الواقع وانسحاباً من الحياة بشكل مخزٍ، لصالح اللامبالاة، رغم أن المجتمع يكون محتاجاً إلى كل صوت، مهما كانت شدته.

كيف يمكن للمثقف أن ينظر إلى الثورة كعلاقة خارجية بين طرفين متحاربين؟ أليس من واجبه الوقوف مع الطرف الصحيح ضد الظلم والقمع؟ ثم أليس من أساسيات فكره أن يكون إلى طرف المظلومين، يدافع عنهم ويتعاطف مع قضيتهم ويقف مع مطالبهم وكأنها مطالبه؟ إن تلك القيم كانت وتبقى عنواناً لدور المثقف، وبرهاناً على أهمية صوته في نصرة الحق والوقوف ضد الظالمين.

سيذكر التاريخ طويلاً، الموقف الإيجابي للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر من الثورة الجزائرية. ولن ينسى أيضاً، موقف الوجودي ألبير كامو الذي كان على النقيض من مواطنه. فرغم الشهرة الكبيرة التي حظيا بها، نجد أن الأول بقي كضمير حي في ذاكرة الأجيال اللاحقة، والتي لن تنسى، أبداً، موقف كامو المدافع عن الوجود الفرنسي في الجزائر.

لا شك أن جميع المسوغات التي يسوقها المثقف لتبرير موقفه من الثورة، ستذهب إلى سواد التاريخ طالما أنها لا تصب في خانة الدعم والمؤازرة والانتصار للذين يرفعون صوتهم بالشكوى من ما آلت إليه حالهم، ولن تشفع مواقف أخرى، وإن كانت إيجابية، حيث سيبقى صمت المثقف عن الظلم، ذات يوم، وصمة عار في مسيرته الفكرية. وهنا كثيراً ما يصبح الصمت موقفاً في سياق الأحداث التاريخية.

طيلة سنوات، كان الصمت عنواناً لكثير من المثقفين وهم يرون كل هذا الظلم والقهر يحيط بمجتمعهم، لكنهم انصرفوا عنه نحو الفن، بوصفه قيمة وجودية وليس ضميراً اجتماعياً، وسجلوا ذلك عبر غض البصر عن أهوال حولهم، وأشاحوا برأيهم عن الحقيقة، وتذكروا أن الثقافة هي موقف تصالحي مع الذات، وليست الإدلاء برأي في قضية عامة أو في شأن وطني.

هل كان الخوف، أم الترهيب أم اليأس، وراء صمتهم؟ إذا كان الأمـر كذلك، فإن الثورة جاءت لتخلصهم من خوفهم، وتنقلهم من مرحلة اليأس إلى محطة الأمل، ولا عذر لهم بعد ذلك.