(1)عندما غادرت حلب منذ ربع قرن، كانت المدينة بوصلتي الوجدانية نحو أصدقاء تركتهم في مقهى القصر، يحلمون ويكتبون. في ذلك المقهى صرفت أكثر من عشر سنوات أحتسي، قهوة (أبو الخير) صباحاً و(نمر) مساءً، وهما النادلان الكهلان اللذان يصران على ارتداء البزة البيضاء مع ربطة عنق الفراشة، ويقدمان القهوة الإيطالية المشهورة "اسبريسو"، ولا شيء سواها، وكانت تلك هي علامة مقهى "القصر" بامتياز.
(2)
مطلع ثمانينيات القرن الماضي كنت أرتاد مقهى "السياحي"، الواقع في الطابق الأرضي للفندق الشهير الذي يحمل الاسم نفسه، والمطل على ساحة سعد الله الجابري.. هناك عقدت صداقات مع أدباء وفنانين أعتز بهم.. وهناك كنت أكتب في الصباح قبل أن يتحرك الشارع ويعلو ضجيجه، وقبل مجيء الأصدقاء الذين يتداولون الصحف البائتة.
إذ كانت الصحف المحلية تصل في المساء، بينما تحضر إلينا نظيرتها العربية بعد يوم أو اثنين. لكن صحيفة "الجماهير"، ذات الصفحات الأربع، هي الوحيدة الصادرة، حينها، في المدينة التي يربو عدد سكانها على ثلاثة ملايين. ولا أذكر أني اشتريت إحدى نسخها ذات يوم.
(3)
ذات يوم قررت إدارة الفندق عدم استقبال الأدباء والفنانين في مقهى السياحي، ذلك بحجة أنهم يشغلون عدداً كبيراً من الطاولات، ويطيلون الجلوس لاحتساء فنجان واحد من القهوة، فاهتدينا إلى مقهى مقابل للسياحي، آنذاك، افتتح حديثاً للعب الشطرنج، يحمل اسم "منتدى الشام". وهو مطل بدوره، على ساحة سعد الله الجابري، غير أنه لم يكن بحيوية "السياحي"، مما باعد بين الأصدقاء الذين سرعان ما اختاروا مقاهي أخرى، قريبة من ساحة سعد الله الجابري.
(4)
تلك المقاهي أصبحت اليوم ركاماً بسبب القصف والدمار، بفعل حرب إبادة يشنها النظام على الشجر والحجر والبشر، وكأن الهدف ليس الانتصار على الطرف الآخر بل قتل الذاكرة، عبر مسح مفردات المكان من الوجود. ولعمري لم أكن أتصور أن هناك من يجرؤ على مس حجارة حلب بسوء، حتى شاهدت التدمير الممنهج لدرة الشرق، فأدركت بحق، أنها ليست طريق الحرية طويلة فحسب، بل إن حياة البشر لم تعد لديها قيمة في شرقنا الذي أُسدلت الستائر على نوافذه، كما قالت سنية صالح ذات كتاب.