على إيقاع حزنهم، جاءهم العيد مرة أخرى ليزيد جرح أرواحهم ألماً، ويعمق مأساة السوريين وهم ينظرون إلى وطنهم، من خلال خيام مثقوبة تهب عليها الريح فتبدد أحلامهم بعودة قريبة إلى وطنهم.. عيد آخر يمر والسوريون ينقلون براءتهم من حي إلى غيره. ومن مأوى إلى معبر ومن ميتة سريعة إلى ميتة بطيئة، تحت البرد والجوع والقهر والحزن.
في ليلة العيد كان الأطفال ينشرون ثيابهم الجديدة على الأَسرة والأرائك، ويتأملونها قبل ذهابهم إلى النوم.. كانوا يحلمون بالعيدية ويحصون عدد أقاربهم الذين سيعطونهم النقود صباح العيد، ويفترضون أرقاماً لحصيلة غدهم، ولا يكلون من إعادة نشر ثيابهم حتى تبقى مكوية ومرتبة كما يليق بمناسبة عظيمة تمر في السنة.
هنا الحذاء وهناك السروال، وذلك القميص وتلك القبعة والجوارب والحزام الجديد. وهناك مفردات كثيرة يصنفها الأطفال في خانة الفرح، سرقها القتلة ومزقتها الحرب، وذلك السرير الذي مرت في ليله ملايين الأحلام ها هو يتكوم محروقاً وسط دمار يلف البيت. وتلك الخزائن لفظت أحشاءها في مشهد فاجع، وباحت بأسرارها للعدم.. خزائن تدلت من الشرفات في مشهد يعجز السورياليون عن رسمه.
أي عيد يعيشه السوريون اليوم بينما فقدوا السقف والرغيف والأمان؟ وأي حياة تلك التي لا أمل فيها؟ وأي مؤامرة قذرة تلطخت بها أيادي الجهلة والقتلة الذين باسم المبادئ العظيمة يبيدون فيها الأحياء السكنية ويدكون المدارس ويروعون الأطفال؟ أي عيد ذلك الذي ينظر فيه السوري إلى وطنه من خلف الحدود؟ وأي قهر يلازمه وهو لا يعرف لماذا يعيش؟
عيد السوريين (الحقيقي) هو عندما يعودون إلى وطنهم، شرفاء كرماء.. عندما يعرفون أن لحياتهم معنى مختلفاً عن الذل والقهر والعبودية التي غلفت حياتهم طوال عقود.. حين يعودون إلى بيوتهم وإلى حقولهم وأعمالهم من دون أن يشعروا بخوف من أحد سوى خالقهم ولا يعبدون إلا رازقهم. وكذلك لا يجدون ضيماً أو حيفاً عندما يشتكون أو عندما يظلَمون (بفتح اللام). ولنتذكر جميعاً مقولة: (الشعب السوري ما بينذل)، تلك العبارة التي تعادل (كل عام وأنتم بخير).