..وهكذا يحل العنف الاجتماعي محل المفهوم السلمي، وتصبح طريق الثورة طويلة ليس نحو أهدافها فحسب بل نحو أهداف أخرى مضللة تذهب بها إلى نتائج سلبية أكثرها سوءاً العنف الذي تولد نتيجة الغضب والحقد والثأر وردات الفعل المباشرة التي تشبه فورات الغضب، كل ذلك يقود الثورات نحو كهف مظلم من الأهداف، وبدلاً من العمل على التحولات الاجتماعية، يصبح الهم الأكبر تصحيح مسار الثورة.

وفي المقابل لا يتوانى النظام عن تدمير كل ما يحيط بالثورة في حركة عقاب جماعي لهؤلاء الذين وقفوا على مسافة قريبة من الثورة، أو هؤلاء الذين راوحوا حيرة في المنطقة الرمادية، يعاقبونهم لأنهم لا يوالون النظام، ويدمرون مدينتهم لأنها مليئة بالحياة والطاقة، بينما هم توقفت حياتهم عند فكرة قاتل أو مقتول أو بمعنى أدق للعبارة كونوا معي وناصروني أو أنتم خونة تستحقون الموت.

بهذه العقلية التدميرية تذهب سوريا نحو الدمار، فقط لأن الناس لم تعد تريد الفساد أو لأنهم انتفضوا لكرامتهم، كرامة أهدرها ابن الدولة وممثلها الرسمي ولابس ثيابها وحامل أختامها، لقد تحولت الدولة إلى مزرعة خاصة، وتحول المواطن فيها إلى دابة يسوقها أبناء النظام كيفما يشاؤون، لذلك عندما انتفض الناس لكرامتهم أرادوا الانتقام من الدولة، لأنها بنظرهم صناعة الفساد ومصدر الظلم وهدر الكرامات.

ولذلك أيضاً يسارع رعاع من عالم الجهل والتخلف إلى تدمير ممتلكات الدولة، لأنها في عمق لاوعيهم ليست لهم بل هي ملك هؤلاء الذين ظلموهم، ولأنها تمثل رموز النظام بكل ألوانه وصوره وشعاراته وهتافاته وجدرانه الملوثة بالأصباغ، التي تهدد وتتوعد أبناء المزرعة بتدميرهم وحرقهم أو بقبولهم كما هم بعقلية العنجهة والبلطجة والزعرنة.

هؤلاء الذين ينتقمون من الدولة عبر حرق الممتلكات العامة كيف لنا مطالبتهم بالوعي تجاه حقوقهم وأن تلك الممتلكات ستعود إليهم، في حين أن النظام عمل طيلة نصف قرن على تغييب وعيهم السياسي والوطني، وجعلهم كالخراف تصفق لمنجزاتهم، نظام أرسل مثقفيهم إلى السجن وطرد مفكريهم ونكل بشرفائهم ولم يبق سوى مجموعة من الرعيان حملة السياط التي يلهبون بها جنبات البشر.