النظرة المرتبكة والمريبة نحو الربيع العربي تغلف موقف كثير من المثقفين الذين استعذبوا المنطقة الرمادية فاختاروها محطة لانتظار قطار الفائزين ليقفزوا إليه حال مروره قربهم حاملاً المنتصرين، لكن هل يمكن للثورة أن تنتظر هؤلاء دون ثمن، وهل توجد ثورة أصلاً دون ثمن! وهل للارتباك معنى في الوقت الذي تسير فيه أنهار الدم في أكثر من مكان.
كيف سُلبت إرادة المثقف وتحول من شخص طليعي إلى كائن مُدجن لا حول ولا قوة له، كائن لا يضع قلمه في خدمة الثورة، كائن انتهازي همه ألاّ يغضب السلطات منه، في وقت تحتاج إليه بلده صوتاً وموقفاً ومناصراً، أسوة بالبسطاء والفقراء الذين ضللتهم الشعارات الفارغة، الحاجة إليه لتوعيتهم بحقهم في وطنهم بحياة كريمة صحيحة لا امتنان فيها لأحد.
الثورات العربية تتشابه في محتواها العام، فهي مزيج من نقمة اجتماعية وغضب من وعلى السلطة واستياء من أداء أجهزة الدولة الفاسدة، فضلاً عن الفقر وانعدام العدالة، وعن الأجهزة الأمنية حدث ولا حرج، حيث تدس أنفها في شؤون الناس، كما تضيّق عليهم سُبل عيشهم وتمنع عنهم منافذ التطور حتى يسهل عليها قيادتهم وإرهابهم ومن ثم تحويلهم إلى خراف في مزرعة الوطن.
وإذا لم يدرك المقهور سبب قهره وفقره فيا لبؤسه، لأنه يتجرع الكأس تلو الأخرى من يد قاتله، ولكن ما يغيظ حقاً هو ذلك المقهور الذي يدافع عن ظالميه ويسبغ عليهم الألقاب الوطنية لأنهــم يقفون بوجه المخططات الكونية ويمانعون، ولا يكتفي فقط بالدفاع عن من تسبب في قهره وفقره بل يخون كل من لا يقف في صفه، وكأنه معني بحماية وطنه دون غـــيره.
ربما لا يتوانى الذين سُلبت إرادتهم عن تدبيج التقارير في حق أبرياء من أبناء وطنهم، ودفعها إلى القتلة والجلادين لمحاسبتهم، ترى كم من السنوات تحتاج الثورة للتخلص من عقلية التخوين والتكفير، وكم من الوقت والمال تحتاجها الثورة لإعادة تأهيل مسلوبي الإرادة، كم من السنوات ليدركوا قول الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند