لم يرتق الإعلام إلى مستوى الثورات موضوعياً، فكثرت أخبار لم يتم التأكد من صحتها وماتت أخبار كانت تستحق المزيد من الضوء، وظلت أخبار في الساحة الرمادية، لأن أحداً لم يعمل على تمحيصها وتدقيقها، وما يؤسف له حقاً عدم تمييز بعض الإعلاميين بين الثورة والفوضى وبين البلطجية والشبيحة، مقابل المندسين والفلول والموالين أو المخربين أو شرفاء الصمت الرمادي الذين يقفون في منطقة حائرة يميلون حيث تميل الريح.

الممارسة الإعلامية لا ترتقي إلى مستوى الثورات، وعبر خط النشر العاجل والأفضلية في نقل الخبر العاجل يتسابق الهواة لبث أخبار الثورات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو عبر إرساله إلى محطة إخبارية ليظهر كخبر عاجل في شريط بأرضية حمراء أسفل الشاشة، وليتلقفه الناس كحقيقة أكيدة، ويجري تداولها مع بعض الإضافات المعروفة لدى عنعة الأخبار (نقلاً عن) دون التحقق من صحتها.

في زمن الحروب يصبح من المستحيل التحقق من صحة الخبر، نظراً لطبيعة المصدر الذي لا يقدم معلومات صحيحة، كما أن كثيراً من أطراف النزاع تقدم نماذج بطولية عندما يتعلق الخبر بإنجازاتها، وفي المقابل تقلل من شأن الأخبار التي تتحدث عن إخفاقاتها، ولذلك تضيع حقيقة الخبر وسط حرب نفسية، هدفها تشتيت ثبات أطراف القتال، وزعزعة ثقتهم بأنفسهم.

غير أن الحال يختلف كثيراً في زمن الثورات التي هي ذات بعد أخلاقي تريد التحول من زمن الديكتاتورية إلى زمن الحياة الديمقراطية الصحية، وهو يسلك إلى ذلك مسلك الحقيقة، لأن الأوطان الجديدة لا تُبنى بأكاذيب، الأكاذيب صناعة الديكتاتورية الإعلامية ذات المحتوى الفارغ والغبي، ولن ينسى العالم الوزير العراقي محمد سعيد الصحاف، الذي كان يتحدث عن ذبح العلوج على أبواب بغداد، بينما الجيش الأميركي في الخلف يتجول فوق جسور المدينة.

على الأغلب أن الإعلام لا يقوم بما كان يتوقع منه بسبب عدم تفرقته أحيانا بين الثورة والفوضى، ناهيك عن الأكاذيب والمعلومات المغلوطة أو المضللة، المتعمدة لإثارة البلبلة، والتي أصبحت لدى الكثير من الإعلاميين هي المصدر الرئيسي لمعلوماتهم، وربما كان الاستسهال أحد أخطر معوقات الحقيقة، حيث يسارع الكثير إلى سحب المعلومة من موقع إلكتروني، ونشرها دون التأكد من صحتها، فتكبر الكذبة لتصبح بحجم إشاعة مضحكة، أو حقيقة عرجاء.