السيناريو ذاته يتكرر مع الآثار السورية تحت الحرب، سيناريو القصف العشوائي وسيناريو السرقة، وقبلهما سيناريو الإهمال تماماً، مثل ما كان في العراق، وكذلك أفغانستان من قبل، حيث التدمير للتاريخ بأيدي جهلة، لا فرق بينهم وفي مستوى غبائهم، سواء كانوا يرتدون البزات العسكرية أو ربطات العنق الفاخرة، لكن ما أجهلهم حينما يدمرون المواقع الأثرية أو حينما يهربونها خارج أوطانهم الفقيرة بمواردها الطبيعية والغنية بحضاراتها.
ابتليت بلدان كهذه بزمرة من المنافقين الذين لا يعرفون القيمة الحقيقية لأوابد التاريخ، ولا يقيمون وزناً لدراسات الحضارات، ويتعاملون مع المواقع الأثرية وكأنها أشجار جافة في مزارعهم، يقتلعونها متى ما أرادوا، ويدمرونها كيفما شاؤوا. تلك الزمرة جاءت إلى السلطة على ظهور الدبابات بقوة النار والحمم. وهي لن توفرها أبداً لقصف القلاع والمآذن والكنائس والساحات، لتجعلها ركاماً لا قيمة له في المزرعة.
في العام 2004 دمرت حركة طالبان التماثيل البوذية في إقليم باميان (وسط أفغانستان)، ولم تنفع يومها وساطات العالم لإنقاذ التماثيل التاريخية من أيدي الجهلة، بل كان التدمير ممنهجاً عبر الديناميت والطائرات، حيث ضربت الحركة عرض الحائط بمناشدات الأزهر والمنظمات الإسلامية حول العالم، ولم تأبه لأحد، فأزالت من الوجود، إحدى أبرز مفردات التراث الإنساني، فحولتها ركاماً، ولم يكن ذلك التدمير، حينها، سوى قمة الجهل.
وفي الجهة المقابلة، كان متحف بغداد يتعرض للسرقة على أيدي لصوص مدربين. وذلك إثر دخول القوات الأميركية إلى العراق في عام 2003، إذ توجه لصوص الآثار إلى واحد من أغنى متاحف العالم ونهبوا أهم محتوياته، بينما كان الجيش الأميركي يشدد حراسته على مبنى وزارة النفط، وعندما فاحت رائحة سرقة المتحف استقال يومها مستشار الرئيس الأميركي (سيئ الصيت)، جورج بوش، للشؤون الثقافية، وتبعه في ذلك 11 مستشاراً من فريق المبادرات الثقافية، احتجاجاً على سرقة المتحف العراقي، بينما كانت القطع النادرة للمتحف تظهر هنا وهناك، بين أيادي من يعرف قيمتها خارج وطنها.
اليوم، وعندما أشاهد حجراً أثرياً يهتز، جراء قصف المدافع لبعض المواقع الأثرية في أنحاء سوريا، أشعر بأن الجهلة يعيثون تدميراً في وطن حولوه إلى مزرعة شخصية، وأخشى أن سيناريو كلاً من أفغانستان والعراق يتكرر بشكل آخر في وطني المكلوم، حيث الجهلة يصوبون المدافع نحو قلعة حلب، كما صوبوها من قبل، نحو غيرها من آثار سوريا.
ألا شُلت أياديكم يا جهلة.