كيف وصلهم العيد هؤلاء الذين ينامون تحت النار، ويستيقظون على مشهد الحرائق، كيف يكون عيدهم وقد كُومت بيوتهم مثلما تتكـــوم الحصـــاة أسفل النهر، وتقطعـــت بهــــم سبيل العيش، فلا يعرفون طريقاً آمناً إلى مخبز أو متجر أو مدرسة أو شارع، تراهم يقبعون في بيوتهم خلف جدرانهم البعيدة البعيدة، يرتجفون لهدير الطائرات ودوي المدافع وأزيز الرصاص، أبرياء لم يصدقوا أن الثورة قد دخلت إلى شوارعهم حتى دمرت مدنهم، ونزحوا أرتالاً يجرون يأسهم إلى العراء والعدم.

في الوقت الذي يعيش الناس حول العالم لحظات سعادة بعيد الفطر، يصارع السوريون بأيديهم وأسنانهم ليتخلصوا من الظلم والقهر، ومنذ أكثر من ثمانية عشر شهراً يرفعون الصوت، منادين بحريتهم التي لم ينالوا منها سوى المزيد من القتل والتنكيل والتحقير والتهجير، وشتى أنواع التعسف في الاعتقال والخطف والضرب والإهانة، وكان العالم حولهم يبحث عن حلول عقيمة تشبه إدخال فيل في ثقب إبرة.

لقد كشفت الثورة السورية عن مستوى من تدني الأخلاق السياسية بطريقة لم يشهدها العالم من قبل، حيث يتصارع الكبار فوق دماء السوريين، ويساهـــم النظــام السوري في تغذية ذلك الصراع، بإنكار حق الناس في التخلص من حكم جائر أخرج سوريا من زمن الحضارة نصف قرن، نظام سمح لمحازبيه ومناصريه التمتع بثروة سوريا، ولباقي الشعب فُتات موائدهم.

عيد السوريين تفـــوح منه رائحة البارود والدم ولا يعرف الأبرياء ماذا يفعلـــون بأيامهم الثقيلة، التي تمر عرجاء فوق أرواحهم، فتراهــم يلصقون قلوبهم إلى قلوب أطفالهم ليبثوا فيها شيئاً من الطمأنينة، لكن صوت قذيفة واحدة كفيل بتبـــديد كل المواســاة التي يحــاول الناس نقلها لأطفالهــم، قذيفـــة دفع السوريـــون ثمنهــا من قوتهم، ترتد إليهم بكل حقد وغل، لتعاقبهم على براءتهم وطيبتهم.

سوريا اليوم في أحزن أعيادها، ويحار المرء عندما يحمل سماعة الهاتف ماذا يقول لأهلها، وتحت أي بند أخلاقي يصرف مشاعره الحزينة والخائفة، وصوت السوريين يأتيه مليئاً بالذعر واليأس، وكأن الحياة تتوقف في نبضاته، ماذا يقول السوري للسوري في العيد، وأي أحوال وصحة يسأل عنها؟، وهم جميعاً يدركون أن الحياة تشبه المقابر، حيث لا كهرباء، و لا ماء، ولا غذاء ولا اتصالات، ولا عيد ولاسعيد، ولا أمل في الأفق البعيد.