كنت أرثي لحال هؤلاء الذين يدافعون عن الأنظمة المستبدة، وقلت ذلك في هذا المكان، قبل أشهر، وكم كان يؤسفني أن هؤلاء ليسوا مجرد كائنات بلا قلب فقط، بل لا ضمير لهم ليستيقظ نادماً، ذات يوم.
والآن أرثي لهؤلاء الذين يخونون الشرفاء ويلصقون بهم تُهم العمالة للأعداء، منطلقين من مواقفهم الشخصية وحساباتهم الضيقة، ويزيدون عليها الكثير من الصفات التي لا تليق بالبشر، ويخجل القلم من تدوينها.
إنها عقلية أنتجت فكرة (كل من ليس معنا فهو ضدنا)، وتحت هذا الشعار الغوغائي الضيق أُعتقل الآلاف ونُكل بالملايين وانتُقصت الكرامات وأُهينت المقامات، وما يؤسف له حقاً، أن يكون هؤلاء في السلطة، يسنون القوانين ويسوقون المبررات لإرسال أسلحتهم لقتل الأبرياء، في القرى والحقول والدساكر، لأنهم خونة أو لأنهم ليسوا معهم.
تخوين الشرفاء أصبح سلاحاً في أيدي الأغبياء الذين لا يتوقفون عن تشويه تاريخ الأدباء والعلماء والصحافيين والمهندسين والمحامين والأطباء والمدرسين، وغيرهم من أنقياء القلوب. لأنهم لم يبرروا القتل، أو لأنهم لم يدافعوا عن القاتل.
شرفاء لا يريدون تلطيخ سمعتهم أو تلويث تاريخهم، فاختاروا الصمت خوفاً من بطش النظام، ولاذوا بالسكون، غير أن صمتهم اعتبر خيانة تستحق العقاب أو التنكيل، وعليه صُرفوا من الوظائف ومُنعوا عن السفر، وأصبحوا تحت عين النظام وأعوانه.
لقد عملت أجهزة النظام السوري، طيلة سنوات، على التقليل من شأن الشرفاء وأعلت من شأن المتزلفين وماسحي الجوخ (حسب التعبير الشامي)، لذلك لم يترقوا في وظائفهم، ولم ينل من هم من الفرقة الأولى، مكاسب، أو يصيبوا شيئاً، سوى ضمائرهم النظيفة. إن تلك الضمائر تستحق منا التقدير والاعتراف بقيمة ما فعله إخلاصهم لوطنهم، ويجب علينا اليوم، النظر إلى سرائرهم النقية، نظرة مؤازرة وتقدير.
غير أن واجبنا الأكبر أن ننتصر لشرفاء الوطن عبر الكلمة والإشارة والمجاهرة بالحقيقة، وليس الصمت على ما يتعرضون له من قبل المتزلفين الذين يصطادون في مياه عكرة، ويحصون عليهم أنفاس مراهقتهم أو فورات شبابهم، وكأنهم معصومون عن الأخطاء.
في تاريخ البشر الكثير من الثقوب السوداء، ولكن هناك نوافذ أكثر وأكبر، يدخل منها الهواء: هواء الحرية النقي. فطوبى للشرفاء، وتباً لمن يخوِّنهم.