أنحني باحترام للذين يعلون بخطابهم فوق الطوائف والشتائم والنعوت، ويفكرون طويلاً قبل وصفهم أي شخص بأوصاف تهز المشاعر، أو تحرج السمع والبصر. وأقدر كل من يسمو بكلماته فوق الضغائن والأحقاد، ولا ألتمس العذر لمن يكتب مقالاً أو قصيدة أو تدويناً على مواقع التواصل الاجتماعي يجرح مشاعر اي كان.
أخص المدونين بمزيد من الاحترام عندما تخلو مدوناتهم من الشتائم والتحقير والتصغير وتقليل الشأن، ناهيك عن توصيفات الحمير والقردة والكلاب والجرذان، وسائر دواب الأرض التي يطلقونها على كل من لا يحبونه.
لطالما كانت الكتابة فناً أخلاقياً يوصل رسالة ظاهرها الفن وباطنها المعنى، وقد دأب كتاب العصور الساحقة على العناية بالمرسل إليهم، فلا يهينون ولا يتعالــون ولا يشطون، عباراتهم منتقاة من خزانة النبالـــة وسلوكيـــات الفرسان، ولا يجد المرء عبر كتب التاريخ، صنفاً لتلك الكتابة التي تهين البشر وتجـــرح أرواحهــم، وإذا حملت ريح الزمن بعضها إلينا، فهي ليست موضع تداول أو متوفرة بين الأيدي. ولطالما حرص الناس على أخلاق أبنائهم في ألفاظهم، فما بالهم بما يقرؤون، ثم ما يكتبون.
وفي خضم النشر الحر في مواقع الانترنت، يطرح السؤال التالي:
"ما ضوابط أخلاق الكتابة، وهل حرية التعبير تعني كسر التابوهات، وفتح سجل عورات الناس، والتركيز على النماذج الهابطة من الشخصيات؟ وهل يحق لنا أن نسأل تراثنا عن أخلاق للكتابة وأخرى للكاتب، من دون أن نزعم أن الذي كسر التابوهات متجرد من الأخلاق؟ ولعل الجواب في الآتي: "العلم قوة للمكتوب، والأخلاق تحمي الكاتب، والحكمة هبة للقارئ".
ما يدفع إلى هذا الغضب، كم هائل من التعليقات التي تتداول عبر الشبكة، تارة تشتم سياسياً، وأخرى تهين شخصاً لا تحبه وثالثة تحتقره، والكثير لا يدركون أن الكلمة كالرصاصة، عندما تطلق لا يمكن استعادتها، ولا يدركون أن شبكات التواصل الاجتماعي، ليست لفئة معينة أو تتوجه إلى شريحة عمرية خاصة، إنها للجميع، للكبار والصغار، الصغار الذين لديهم الوقت والجَلد للتنقل بين المواقع يقرؤون الغث والسمين، صغار تعيقهم براءتهم عن فهم الشتيمة والإهانة والعبارات النابية فهماً صحيحاً، فينقلونها ويتداولونها في مدوناتهم، أو في مواضيع الإنشاء، حيث المدرسة، والعلم والتربية والأخلاق.
لننحني لأخلاق الكتابة، ولنتوقف عن استحضار دواب الأرض إلى عالم الانترنت فكل سعيد في بيئته.