يشبه الراكضون خلف الثورة السورية، هؤلاء الذين يركضون للحاق بالقطار، قبل أن يتركهم في المحطة، حيث مئات المسميات لأفراد أو جماعات أو تكتلات، تحمل اسما مشتقاً من وطنهم، أو مستخرجاً من عمق التاريخ، السمات المشتركة التي تجمعهم هي معارضة النظام، ومَن لا يعارض النظام، سوى تلك الحفنة من المنتفعين التي تدافع وتراهن على قتل من لا يتفق معها في الرأي ؟

في حال كهذه، يخشى المرء من منتهزي الفرص الذين يقفون مع الواقف، ويستثمرون في المستقبل حتى يضمنوا مساحة في حقل الانتصار، يخشى المرء من المتفرجين الذين اختاروا الصمت زمناً طويلاً، ثم فجأة طفوا إلى السطح يحملون الأسماء والألقاب ينافحون، وبملء أشداقهم يهتفون مع الهاتفين بل يتفوقون عليهم، صوتاً وقوة.

وإذا كنا لا نتهم أحداً فهذا ليس دورنا، دورنا أن نشير إلى أخطاء تقع باسم الثورة، أخطاء ترونها في شبكات التواصل الاجتماعي، وأفدحها في برامج (الملاكمة) الحوارية التي تملأ الفضائيات، برامج تنقصها الأخلاق.

ومتحاورون تنقصهم ثقافة الحوار، ومعدّون ومقدمون يصبون الزيت على النار، يُخشى على الثورات من هؤلاء الذين كتبوا تاريخهم بالصراخ والزعيق، والذين يريدون إسقاط النظام بالشتائم .

لقد أنعشت الثورات العربية التيار السلفي، وسقطت فكرة السلفيين الذين يحضون أتباعهم على الابتعاد عن السياسة، وفي مصر وتونس تحديداً، قفز السلفيون إلى واجهة المشهد السياسي، وأثاروا مخاوف عميقة، وبرزوا كجماعة أو جماعات أتقنت فن الانتهازية السياسية، وفي شوارع ثورية أخرى المشهد لا يقل عن ذلك، حيث تتحول الشعارات من وطنية إلى دينية، ومعها يتحول مشهد الثائر من النموذج (الغيفاري) نسبة للثائر تشي غيفارا، إلى نموذج أفغاني، يمكن معاينته في أقرب جوار.

أين ذهب الماركسيون، القوميون، الأحرار، المعتدلون، البرجوازيون، العلمانيون، الاشتراكيون؟ وأين هم دعاة التحديث، نخاف أن يقف بعضهم مع الطغاة.

حيث كانوا في مواقعهم السياسية مجرد أطباق حُمص وفتوش وتبولة على المائدة السياسية. كم هو مؤسف أن معظمهم يلوذون بالصمت، صمت يُخشى أن يتحول انتهازياً، إلى حزب في قطار اللاهثين إلى (ما بعد النظام)، فيسارعون إلى حجز مقعد قبل أن يتركهم قطار الثورة في محطة صمتهم.