كل ما هو حولنا مؤامرة، منذ تراجع الدولة الإسلامية وانتصار الأسبان حتى هجرة العقول، مروراً بالمؤامرات الكونية التي تلف الأرض وتصيبنا دون غيرنا، فإذا كان لأجدادنا فضل اختراع الصفر الذي ساهم في تقدم علوم البشرية، فلنا الفخر أننا اخترعنا أسامة بن لادن في فورة الغضب، واخترعنا شعبان عبد الرحيم في ذروة الفرفشة. وكانت مساهماتهما لا تنسى في الألفية الثالثة.

لقد كانت أهمّ مميزات الحضارة الغربية، العقلانية، الحرية والديمقراطية، الروح النقدية، العلمانية، العلمية، والتكنولوجيا، وتُعرف بقيّم الحداثة، بينما كانت نظرتنا للحضارة من مرجعيات تراثية، تاريخية، دينية، ثقافية، وكانت لدينا تيارات تقرأ الحضارة من منظور سلفي ناقم على الغرب، وتيار توفيقي يجمع بين الاثنين، النقمة سببها الدونية، الكسل، التراخي، الاتكال على الآخر، والتوفيقية تعني لا أحد يزعل منا.

الحداثة حركة نقدية ظهرت بذورها الأولى في القرن السادس عشر والقرن السابع عشر من خلال الصراع الذي قام بين السلفيين والمجددين. واستمر هذا الصراع حتى القرن التاسع عشر، وانتهى بغلبة أنصار الحداثة والتحديث، وارتبط ذلك تاريخياً وحضارياً عبر ثلاثة قرون، وبالعديد من التحولات الإستراتيجية الكبرى، وأهمها النهضة في إيطاليا والإصلاح الديني في ألمانيا والثورة العلمية والثورة الصناعية في إنجلترا والثورة الفرنسية.

هل كان لنا نصيب من كل تلك التحولات سوى الاستهلاك، أو النقمة، أو التخفي وراء تاريخ الأجداد، لأن لا حاضر يشفع لنا و لا مستقبل ينتظرنا في نهاية الأفق؟ أشعر بمزيد من الأسف لحال هؤلاء الذين يصرون على تاريخهم المجيد وأصلهم النبيل، بينما ترى أولادهم يتعلمون في مدارس أجنبية، ثم يرسلونهم إلى جامعات غربية، ثم يلجؤون إلى المصحات العالمية لمعالجة أوجاعهم.

ويشترون ألبستهم وأحذيتهم من أسواق العالم الحر، ويمضون سحابة صيفهم في جبال أوروبا أو جزر الكاريبي، ثم يبكون على ماضيهم وينتفضون إذا انتقد أحد ما حالهم أو وصف مآلهم.

المصيبة الكبرى في مجتمعاتنا هي «موت النقد»، حيث إن حياتنا تخلو من أي ومضة نقدية، حياة تقوم على المجاملات والرضا والتربيت على الأكتاف، غير مدركين أن الحداثة تبدأ من النقد، من الاعتراف بالأخطاء، من الشعور بالحاجة إلى المزيد من العمل، والمزيد من المكاشفة والشفافية، وإلى التوقف عن النظر إلى الخلف متمثلين الحكمة الخالدة :

إنّ الفَتى مَن يُقولُ ها أَنا ذا

لَيسَ الفَتى مَن يُقولُ كانَ أَبي