معظم الأدوية طعمها مرّ، لكن على المريض تجرعها لأن فيها الشفاء، حال الدواء المر هو حال الشعوب التي تحتاج إلى دواء مرّ لتشربه وتشفى من مرضها، أن تتخلص من قهرها، واختلاف الدواء من مكان لأخر يجري وفقاً لنوع المرض فبعض الشعوب تصاب بنصف مرض، وأخرى تعاني من زكام وثالثة من صداع، ولكن الأخطر تلك التي تعاني من الأورام، حيث الاستئصال هو العلاج الناجع. وكما قال الأولون: (آخر العلاج الكي).

تحتاج الأنظمة الفاسدة إلى كي أو استئصال للحصول على نتائج إيجابية، إذ ليس من المعقول معالجة سرطان الرئة بشراب للسعال، أو تصلب الشرايين بخافضات الحرارة. ويفهم الأطباء جيداً أن العلاجات المفيدة تحتاج إلى شجاعة المريض لتقبل العلاج، كما تفهم الشعوب بشكل قاطع، أن أدوية السعال وخافضات الحرارة لن تنفع في علاج الأمراض التي استشرت في جسد الأمة، وقد اتخذت الشعوب قرارها بوجوب الكي أو الاستئصال.

عندما اندلعت الموجة العارمة من الثورات والاحتجاجات في مُختلف أنحاء الوطن العربي، أواخر عام 2010 ومطلع 2011 ، اختار التونسي محمد البوعزيزي الكي علاجاً للفساد الذي يضرب بلده، فاتحاً الطريق إلى مباضع الجراحين لاستئصال الدمامل التي كبُرت في جسد بلده، وها هو البلد الصغير يمر في نقاهة للتعافي من جروحه، الحال ذاتها في مصر وفي ليبيا وفي اليمن، ويبدو مشهد المرض أشد خطورة في سوريا التي ضرب الفساد في عمقها، تاركاً شروخاً قد لا يكفي الكي والاستئصال لعلاجها.

إن أمراض الفساد والركود الاقتصاديّ وسوء الأحوال المَعيشية، إضافة إلى التضييق السياسيّ والاستئثار الفئوي للسلطة والمحاباة والتملق وسوء الأوضاع عموماً ساهمت في انتشار الاحتجاجات بسرعة كبيرة في أغلب البلدان العربية، احتجاجات تبحث عن دواء بسيط:

 (الشعب يريد العيش الكريم) ثم ( الشعب يريد رحيل النظام) ثم (الشعب يريد إسقاط النظام) ثم (الشعب يريد إعدام الرئيس) ، ولعمري لم أصدق أن متظاهراً في شارع عربي يمكن أن يمتلك شجاعة كهذه ليطالب بإعدام الرئيس!

لم يكن كافياً إقالة المحافظ وقائد الشرطة، ووزير الداخلية وتشكيل لجان لدراسة الأوضاع وأخرى لمناقشة الأحوال، وثالثة لفحص الدستور ورابعة لتدريب فريق دبكة في الساحات، ولم يكن كافياً مسلسل خطابات الوعود التي تسير ببطء شديد، بينما كان المرض يضرب طولاً وعرضاً في أنحاء الجسد، سرطان اشتد حتى كاد يصل إلى العظم، ويعرف الأطباء جيداً، أن سرطان العظام أشرس أنواع السرطانات، وهذا ما يعرفه الشعب أيضاً.