رغم الإصرار الغنائـــي عـــلى أن الحب هو الموضوع الأثير لدى المغنين، ورغم أن الشعـــراء أعطوه من حبرهم ما يفيض عن الأنهار، ورغم أن خزانة الروح لا تخلو من ذكراه الأليمة أو السعيدة، بقى الحب اللغز الأكبر بين ألغاز الحياة، لغز سيظل خالداً مثل تلك الكلمات التي كُتبت منذ أبد الدهر، وحملتها ريح الزمن إلينا، ملفوفة بجمال المعنى ومعطرة بعذب الأحلام فصارت عالماً موازياً للحياة، وربما يتفوق عليها.

لم أجد دلالة للحديث عن معنى الحب إلا عبر شواهد بسيطة الحكاية ولكنها عميقة المعنى، تماماً مثل إجابة الطفل الصغير عن سؤال أمه (كم مقدار حبك لي يا بني؟). قال الطفل بعفوية مطلقة (حبي لك بحجم القطار) فقد كان القطار بالنسبة للصغير أكبر مشهد وقع عليه بصره، ولم يجد وصفاً أوسع من عربات طويلة متسلسلة، تتابع في مشهد لا يمكن لطفل أن ينساه.

غير أن الحكاية البريئة للطفل تقود لبراءة تساويها في عفويتهــا وفطريتهـــا لدى من هم أكبر سناً، فقد حدثني الصديق الفاضل محمد مخلوف (المقيم في باريس منذ أربعين سنة) أن والدته سألت والده: (هل تحبني يا فلان؟). فأجاب الرجل البسيط على سؤال صعب ومعقد بكلمات لا تخطر على بال أحد: (لا أريدك أن تموتي)، وكأنه اختصر دهراً من التفكير، حقاً لا نريد الموت أن يأخذ من نحب، بل المعنى الأدق أن الحياة تصبح شديدة الوحشة دون من نحبهم.

أليست حكاية الإعــــرابي الذي وصف فيها حبيبته من المقاصد والمعاني ما يتفوق على الكتب، فقد سُئل الرجل (حدثنا عن فتاتـــك يا فلان)، فلم يجد جواباً فهو ليس بشاعر، ولم تدركه حرف المعنى والمغنى فقـــال عبارة وصفيـــة ذهبت طويلاً في هدفها: (والله أني أرى الشمس على دارها أحلى منها على دار غيرها)، لكأنه قال ما قاله قيــس بن الملوح (مجنون ليلى):

 

أَمُـرُّ عَلَـى الدِّيَـــارِ دِيَـــارِ لَيْلَــى

أُقَبِّــلُ ذَا الجــِدَارَا وَذَا الجــــِدَارَا

وَمَـا حُـبُّ الدِّيَـارِ شَغَفْـنَ قَلْبِـي

ولَكِـنْ حُـبُّ مَنْ سَكَـنَ الدِّيَـارَا

 

لكل منا حكايته الصغيرة عن الحب، الشجعان يقصون الحكاية على مسامع أولادهم وأصدقائهم، أمـــا الأقــــل شجاعــــة لا يفعلـــــون ذلك، لكـن يكفي أنهــــم ذات يـــوم كانــــوا عشاقاً.