طلب زعيم القبيلة من سكان القرية المساهمة في درء خطر الجوع عن قريتهم، وذلك بأن يتبرع كل منهم بكوب حليب واحد، حيث وضع قدراَ كبيرة وسط الساحة العامة، وطلب منهم أن يتم التبرع تحت جنح الظلام فبعضهم قد يتبرع بكمية قليلة والآخر بكمية أكثر مما يولد حرجاً لا يريده الزعيم لشعبه.

وتحت جنح الظلام توافد كل واحد من أبناء القرية ودلق كوبه في القدر، وهكذا حتى الصباح حيث كشف الزعيم عن غطاء القدر ليجدها قد فاضت بالماء، فتساءل أين الحليب؟

لقد كان لسان حال الكثيرين من أبناء القرية (إن كوباً واحداً من الماء لن يؤثر على كمية الحليب الكبيرة التي سيضعها الناس في القدر ). وقد اعتمد كل واحد منهم على غيره في درء خطر الجوع عن القرية، فماذا كانت النتيجة؟

حال تلك القرية يشبه حال الكثير من بلداننا، وحال ساكبي الماء لا يختلف عن حال سارقي المؤسسات والدوائر والوزارات والأموال العامة الذين يفكرون بعقلية كوب الماء، بدلاً من كوب الحليب.

عندما انتشرت عقلية المنفعة تراجعت المصالح الوطنية وأصبحت كل مصلحة عامة لا قيمة لها إذا لم نستفد منها بشكل مباشر، وعندما يتراجع العمل العام يتوقف الحس بقيمة الأوطان، والشاهد ليس مجرد كوب حليب ناقص بل قطعان من العاطلين عن العمل وجيوش من محبي الكسب السريع وجحافل تجري وراء مصالحها الفردية، وكل يقول (اللهم نفسي) .

من الذي يلام على هذا الفساد ، الحكام أم الشعوب أم الاستعمار أم أميركا وإسرائيل وباقي الاسطوانة المشروخة؟! واأسفاه نحن من يسكب الماء بدلاً من الحليب ويغش مجتمعه، والفضل في هذا السلوك يعود إلى قلة الوعي وانتفاء المعرفة الوطنية ولا شك أن التربية في البيت والشارع والمدرسة، لعبت الدور الأكبر في تنمية الـ (أنا) وتراجع الـ ( نحن) ووصول أشخاص إلى مراكز عليا لم يسمعوا يوماً بمصطلح (رجل دولة).

المصيبة عندما تقع الكارثة ويعم الجوع في القرية، لا أحد يعترف أو يتحمل المسؤولية، بل تتم المسارعة إلى شماعة الاستعمار وأميركا وإسرائيل، ولا بأس باتهام القرى المجاورة لأن لديهم مخططاً كونياً لضرب صمودنا والنيل من هيبتنا الوطنية وإركاعنا، ويمكن لهذه العبارات أن تنقذ جميع الغشاشين ساكبي الماء بدلاً من الحليب، وأن يستمروا فيما هم عليه وقريتهم من خلفهم يفنيها الجوع.