هؤلاء الذين يدافعون عن أنظمتهم البالية، الذين يقدسون صورهم، الذين يصنفون أسيادهم في خانة الآلهة، الذين يجعلون من بلدانهم الكبيرة كهوفاً من ظلام، الذين يربطون حياة أطفالهم بحياة القائد الفرد الملهم، الذين تتناقل الأخبار مآثرهم، الذين لم يذهبوا يوماً إلى صندوق اقتراع أو صندوق طماطم، الذين يعرفون أنهم منتصرون، الذين يشتمون الجامعة العربية، والعرب العاربة والمستعربة، ويمسحون دولاً عن الخرائط، لا أرثي لحالهم فقط، بل أرثي لحال من يبالي بهم ويستمع لهم.
كيف يمكنهم إغماض أعينهم عما يجري حولهم، وأي إعلام ذلك الذي يؤثر في حكمهم الأخلاقي، وهل تحتاج الأحكام الأخلاقية إلى إعلام ليحركها؟ أين فطرية الحياة المنحازة للخير، ولماذا يتم إغفال الحقيقة والمناداة بغيرها، ألم ير المدافعون عن أنظمتهم نصف الكأس العكر من الماء، بل اكتفوا بالنصف الفارغ وملؤوه بالأوهام، تلك الأوهام التي تقود الناس في الساحات لتهتف بحياة سارقي الأوطان، كقطيع من الخراف تساق إلى المسالخ كل صباح!
أَعجب من هؤلاء الذين رهنوا مستقبلهم للفساد وبنوا من خلاله تاريخهم، وأعجب أكثر للذين يجدون الأعذار والتبريرات للظلم والفساد، ويربطون إهانة الشرطي لهم بمخطط خارجي، وسرقة ثرواتهم الوطنية بمؤامرة كونية، وسلبهم كرامتهم بهجمة شرسة على منجزاتهم، ولا أعرف من المنجزات سوى ما تعدده الأبواق عن افتتاح سوق أو شق طريق أو بناء مدرسة، أليس من واجب الحكومات فتح الأسواق وشق الطرق وبناء المدارس والمستشفيات، أم أن الحكومات همها السلب والنهب وتكديس ثروات الأوطان بيد قلة قليلة؟
وللدلالة أكثر أقول إن المشهد في كوريا الشمالية كان أكثر وضوحاً، فقد انخرط الشعب في حالة من البكاء الهستيري على رحيل (زعيمهم) كيم جونغ إيل، في 19 ديسمبر الماضي، والذي كان يحمل ألقاباً عدة مثل «شمس القرن الحادي والعشرين» و«القائد الحبيب». كما أنه جمع بين يديه كافة السلطات في كوريا الشمالية التي يبلغ عدد سكانها 24 مليون نسمة، وسرعان ما خلفه ابنه كيم جونغ أون (النابغة)، شعرت حينها بالدهشة لمشهد الدموع الصارخ، وتساءلت من يعترض على زعيم تبكيه النساء كما يبكيه القادة العسكريون بحرقة، وما حاجة وطن بكّاء إلى الحرية والديمقراطية، فالشعب لا يشعر أنه مقهور أو مظلوم أصلاً!؟
أخشى أننا نسير على خطاهم، فقد تعلمنا منهم الكثير .. الكثير.