أطلق الأميركيون النار على بعضهم في الشوارع منذ نحو مئتي عام، فيما كان يسمى الغرب المتوحش أو حياة (الكاوبوي)، وعاش الأوروبيون حربين كونيتين، حصدتا نحو أربعين مليون شخص، وقتل في الثورة البلشفية أكثر من مئة ألف شخص، وقتل في حرب فيتنام المعروفة باسم الحرب الهندوصينية ما يتراوح بين الـ 4 و8 ملايين شخص، وفي حروب أخرى جرت في القرن الماضي، وصل عدد القتلى إلى ثمانين مليون إنسان، غير المشوهين جسدياً والمدمرين نفسياً.
أرقام حروب القرن الماضي مفزعة إذا قورنت بما هو حاصل اليوم في ثورات الربيع العربي، حيث عدد الضحايا لا يقارن مع أي حرب أخرى أو ثورة مماثلة، ونادراً ما يتحدث التاريخ عن ثورات سلمية، بل إن معظم الثورات كانت لها أثمانها، حتى الانقلابات البيضاء دفعت الثمن ولكن بأرقام غير معلنة، ولأن المنتصرين يكتبون التاريخ فقد وصلتنا أخبار الانقلابات في بطاقات مذهبة، كأنها دعوة إلى حفل عشاء، بينما الحقيقة غير ذلك .
قليلة هي الثورات التي لم تسفك فيها الدماء، وكلما أوغل الزمن زاد عدد الضحايا وزاد عدد الأرامل والأيتام، وفي بلدان مثل شرقنا المتخلف، تتحول النساء والأطفال إلى عبء اجتماعي لم تكن الحكومات تلقي بالاً إليه في الرخاء، فما بالها الآن وقد تحول العراق ( نموذجاً) إلى وطن بيوته للبكاء وشوارعه للبغضاء وسياسته بأيدي الدهماء، وتكاد دول أخرى تلحق بالعراق، لو استمر سقوط الضحايا بوتيرة مخيفة كل يوم؟
إنّ ثمن الركون للذلّ أكبر من ثمن الثورة على الظلم. فقد استفاقت الشعوب من غفلة طويلة على إدراك حقيقة بسيطة، حقيقة أنّها تدفع، يوماً بعد يوم، ثمن الركون للظلم والفساد والقهر، شعوب تقودها فطرية العيش وعفوية الحياة إلى البحث عن حريتها غير آبهة بالموت المتربص خلف الجدار، هؤلاء البسطاء الذين يأكلون خبز يومهم من عمل يومهم، ممن يخافون وقد ذاقوا المرارة في عيشهم ، وماذا يأملون من أصحاب الثورات الذين سرعان ما يتحالفون مع الأقوياء والمنتصرين، أثرياء الحروب، محدثي النعمة، الذين يشترون العقارات عندما تجري الدماء في الشوارع.
لكل ثورة ثمنها، ولكل حرية ضحاياها. كما أن لكل وطن فقراءه وبسطاءه الذين يثورون ويملؤون الشوارع، بحثاً عن مستقبل يذهبون إليه باطمئنان.