سقط رجل عجوز على رصيف في أحد شوارع نيويورك فحملته سيارة الإسعاف إلى المستشفى واستطاعت الممرضة أن تقرأ من محفظته القذرة، اسم ابنه وعنوانه، وكان جندياً في السلاح البحري، فبعثت إليه برسالة عاجلة للحضور إلى المستشفى لمشاهدة والده المحتضر. عندما وصل الجندي إلى المستشفى، قالت الممرضة للعجوز الذي غطى وجهه بكمامة الأوكسجين:"ابنك هنا". ومد الرجل يده فأخذها الشاب المجند وضمها إلى صدره بحنان لمدة أربع ساعات! وبين الحين والآخر، كانت الممرضة تطلب من الشاب أن يستريح أو يتمشى قليلاً .. فيعتذر بلطف !

عند الفجر، مات الرجل العجوز . فقال الجندي للممرضة: من كان هذا الرجل ! ردت الممرضة بدهشة : أليس والدك ؟! قال الجندي :لا، ولكنني رأيته يحتاج إلى ابن فمكثت معه.

من بساطة قصص الرصيف يلتقط المرء الكثير من المعاني. وهل من معنى أعمق من تقديم الدعم الوجداني لمن يحتاجه، كما فعل ذلك الشاب مع المتشرد العجوز؟ فقد كان يحتاج إلى يد حنونة تمتد إليه في أرذل العمر، تدفئ الساعات الأخيرة من حياته، ربما كان لديه ابن في مكان ما، أو ربما كانت لديه عائلة ذات يوم، وها هو يحتاجها ليطبق عينيه على لحظات سعيدة. وتطوع شاب غريب ليلعب الدور الوجداني، فأجاده ببراعة وساعد العجوز على موت رحيم.

تمر من أمام أعيننا صور الضحايا في التلفزيون، معظمها لأشخاص أبرياء، تؤثر فينا فنتعاطف مع الثاكلين من حولهم، وترانا نكثر من الحديث عن قيمة الإنسان عندما تهدر كرامته، وتتعرض مشاعره للذل، وترانا نلقي اللوم على من لا يحمي قيمة الإنسانية ولا يعلي من شأن البشر، بل ونقف في صف الضحية ونؤازرها مدركين أن الضحية دائماً على حق، فما بالنا بضحايا القتل و(التشبيح) في شوارعنا العربية. ألا يحتاجون إلى يد تمتد إليهم فتساعدهم على عبور رحيم وآمن إلى رصيف الحرية؟

وعندما يشعر أحدنا بالضيق لسبب ما، فإنه يحب أن يجد إنساناً يتحدث إليه، وخاصة إذا كان شخصاً منصتاً، إننا فطرياً ننجذب إلى الأشخاص الذين يتفهمون مشاعرنا، ونعرض عن الأشخاص الذين لا يشعرون بنا. وكم من أناس في شوارعنا يحتاجون إلى مجرد الإصغاء، إلى شخص تظهر على ملامحه علامات المشاركة الوجدانية؟ شخص يدرك معنى الظلم والعنف والخوف والقهر، ويعرف نقيض ذلك، فيتعاطف ويمد يداً حنونة لتواسي وتؤازر.