يشعر المرء بالرعب عندما يقرأ أرقاماً دالة على تأخر العرب عن ركب العالم، فقد حلل التقرير العربي الرابع للتنمية الثقافية ـ وهو تقرير سنوي يصدر عن مؤسّسة الفكر العربي حول واقع التنمية الثقافيّة في الدول العربيّة ـ مشكلات التقدم العربي عبر نافذة الثقافة؛ التي هي على تماس مباشر مع السياسة والاقتصاد والمجتمع، ناهيك عن التعليم؛ الذي هو أوسع ثقب يتسرب منه المستقبل.
التقرير يُعنى، سنوياً، بوصف وتحليل أهم مظاهر التنمية الثقافية في البلدان العربيّة، من خلال بنياتها الأساسيّة، مثل: التعليم، الإعلام، التأليف والنشر، المعلوماتية، الإبداع بأجناسه وأنواعه المختلفة:(الشعر والسرد والسينما والدراما التلفزيونية والمسرح والموسيقى والغناء)، فضلاً عن الحصاد الفكري والثقافي الذي يرصد أبرز ملامح الحراك الثقافي خلال عام ومفاصله الأساسيّة.
كما يرصد واقع التنمية الثقافية في الدول العربيّة سنوياً، ويترجم هذا الرصد بالأرقام والبيانات والتحليلات، وبمعزل عن أيّ اعتبارات سياسية وإيديولوجية، لذلك يكشف بالأرقام أن طبيباً واحداً في موريتانيا لمئات الآلاف من المرضى، ومعلماً واحداً في اليمن لآلاف مشابهة، ومدرسة واحدة لآلاف مؤلفة في السودان، وأن الأمية الثقافية تتقدم في دول الخليج، والوعي الصحي يتأخر في بلدان أخرى.
التقرير تضمن ملفات أساسية، وهي: (التعليم الجامعي وسوق العمل: اختلالات على الجانبين)، المعلوماتية (قضايا الشباب العربي على الإنترنت)، الإبداع الأدبي (كتابات الشباب العربي)، المسرح (المسرحيون العرب والنفق المظلم)، الأغنية (المضمون الثقافي للأغنية العربية). لذلك تعطي قراءته مساحة إيجابية من معرفة المشكلات الحقيقية وتلمس مواضعها والعمل على حلها. وهنا (حطنا الجمال)، فالحاجة إلى دراسات علميّة حول واقع التنمية الثقافيّة بوجوهها كافة في الوطن العربي: مشكلاته والحلول الممكنة، هي بيت القصيد، وهي ما علينا فعله.
غير أن صدور ثلاثة تقارير عربيّة للتنمية الثقافية سابقاً: الأول (2008)، والثاني (2009)، والثالث (2010). كانت مادة علميّة موثّقة حول التنمية الثقافية في العالم العربي، ومرجعاً لكلّ المهتمّين بهذا المجال، ولكن ماذا حدث؟، وما الذي تغير مذاك؟ في الواقع لا شيء. ومن المؤسف حقاً أن تكون الكتابة البحثية مجرد حبر على ورق، وأكاد أجزم أن آلاف المسؤولين العرب لم يسمعوا بتلك التقارير، أو لم يطلعوا عليها، لذلك سنراوح مكاننا عقوداً أخرى، باحثين عن ربيع ما!
من الظلم مقارنة التنمية بين بلد فقير وآخر غني، ولكن المقارنة عادلة بين بلد فقير ومتحضر وبلد غني ومتخلف، وما أكثر التخلف الغني حولنا الذي يحتاج إلى عشرات التقارير لرصده وتوصيفه فقط.