يحكى أن نسراً كان يعيش في أحد الجبال ويضع عشه أعلى إحدى الشجيرات، في ذلك العش كانت هناك أربع بيضات، لكن إحداها تدحرجت حتى استقرت أسفل الجبل، حيث يوجد قن دجاج، فظنت الدجاجات الحاضنة بأن عليها حماية البيضة، فتطوعت دجاجة كبيرة في السن، للعناية بها إلى أن تفقس.
بعد أيام فقست البيضة وخرج منها نسر صغير جميل، ولكن فرخ النسر بدأ ينشأ على أنه دجاجة، وأصبح يعرف أنه ليس إلا دجاجة. وفي أحد الأيام، وفيما كان يلعب في ساحة قن الدجاج، شاهد مجموعة من النسور تحلق عالياً في السماء، وتمنى هذا النسر لو يستطيع التحليق عالياً، مثل تلك النسور، ولكنه قوبل بضحكات الاستهزاء من الدجاجات، والتي خاطبته: ما أنت سوى دجاجة، ولن تستطيع التحليق عالياً مثل النسور، فشعر بالإحباط، وبعدها توقف عن حلم التحليق في الأعالي وآلمه اليأس. ولم يلبث أن مات بعد أن عاش حياة طويلة مثل الدجاج.
إنها حكاية بسيطة من تراث الشعوب، مليئة بالحكمة، حيث يمثل النسر طاقة الأمل الكامنة داخل الإنسان، أما الدجاجات فهي تمثل اليأس الذي يركن إليه، في حين تعمل التنشئة الاجتماعية على تحويل الطموحات إلى مستحيلات، وتبرز قدرة البشر في أقصى طاقات خنوعها عندما تنسى من هي وتعتاد على حياة المرارة التي سيقت إليها، فأصبح حلمها مجالاً للسخرية، كما صار طموحها يأساً يفضي إلى الموت.
عندما ثارت الشعوب العربية تذكرت حياة النسور، عبر تاريخ من الحضارات مدون باسمها، رغم أن الدجاج المحيط بها لا يرى سوى الخنوع والركون إلى ما هي عليه، ولكن حلم الطيران لم يكن بعيداً عنها، كما لم تكن قمة الجبال عالية لمن يملك جناحاً يحمله إلى هنالك، تلك الشعوب تملك ذلك الجناح، وها هي اليوم تخبط الهواء لتصل إلى هدفها، دون أن تصغي لنداءات الدجاج الذي يخاف من الحلم، مجرد حلم .
إن حكاية النسر في عبرتها، ليست في نسيان جيناته، بل في محيطه الذي أوقفه عن النظر إلى الأعلى، وفي يأس المكان الذي يدور فيه، ولو أن دجاجة واحدة فكرت في المقصلة التي ستساق إليها غداً، لفاقت النسر في طموحها، ولكن ليس كل الدجاج في سلة واحدة، بعضها فكر وثار، وبعضها خائف، والبعض الآخر ميت وهو يمشي على قدميه.