قال لي ناشر عربي بارز، عندما تُسخن منطقة ما في العالم نسعى إلى إصدار كتب عنها، ليطلع عليها القارئ ويعرف جغرافية ذلك المكان وبنيته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ويطلع على تاريخه السياسي، وليعرف خلفيات الأحداث ويحللها. وقال أيضاً «لقد واجهنا مشكلات كبيرة في عدم توفر معلومات بحثية ومرجعية (موضوعية) عن دول الربيع العربي، لأن معظم ما هو معاصر في تاريخ تلك الدول يعود إلى الحقبة السياسية الحالية، حيث تتوفر معلومات واسعة عن قادة هذه المرحلة وإنجازاتهم، وعدا ذلك، معلومات شحيحة لا تختلف عن تلك التي توفرها مكاتب السياحة والسفر».

ما هي الكتب التي يمكن للقارئ أن يطلع عليها عن مصر أو تونس أو اليمن أو ليبيا أو سوريا أو أي بلد آخر، سوى ما توفره المؤسسة الرسمية، التي لا تسرب المعلومة، إلا بما يتوافق مع التوجه السياسي، وبما لا يشكل خطراً على أمنها القومي؟ وهنا؛ هل عدد السكان ووضعهم الاقتصادي وتوجهاتهم الفكرية ومذاهبهم، ومعتقداتهم الدينية، وتوزعهم الجغرافي، وطرائق عيشهم هي أمن قومي، ألا يشترك الناس في كل أرجاء المعمورة بهذه الصفات، صفات لا تشكل منفذاً لتسرب أعداء الأمة أو لنشر أفكارهم؟!

الناشر ذاته تحسر قائلاً «كنا نستعين بمؤلفات أجنبية، ونقوم بترجمتها إلى العربية ليقرأها العرب، لأننا لم نجد أمامنا سوى تلك الكتب السطحية، التي عادة ما تنشغل بأقوال الزعماء وأفعالهم عن واقع حال المجتمع». والمؤسف ـ والكلام للناشر ذاته ـ أن الكتب المترجمة معلوماتها أيضاً، قديمة، ومعظمها وضع قبل نصف قرن، أو كنا نقع على كتب وضعها مؤلفون غربيون بطلب من حكومات بعض الدول، حيث تخضع المعلومات فيها للمراقبة والتمحيص والحذف أو المصادرة، قبل دفعها للكاتب الغربي ليضعها في كتابه.

إن الكتب ذات الفضاء الوطني الواسع تاريخياً وجغرافياً، لا يصنعها أفراد بل تنجزها فرق عمل مؤسساتية، وهي تشبه العمل الموسوعي، ويحتاج إنجازها إلى دعم ومؤازرة من المؤسسة الرسمية (الموضوعية)، لتسهيل الوصول إلى معلومات صحيحة، وتوفير غطاء من الحماية للكُتاب، وليس مساءلتهم أمنياً والتضييق عليهم، لطالما كانت الجامعات ومراكز البحوث خير مكان لهذا العمل الدقيق الممنهج، حيث المراجعة العلمية لا تقل شأناً عن كتابة المعلومة أو توثيقها.

لكننا نفتقد ذلك، والأسوأ أن الأخبار، بكل أطيافها، تملأ هذا الفراغ، أحياناً بطريقة غير مهنية، وأخرى بطريقة مشوهة، وثالثة بطريقة مغرضة ورابعة وخامسة.. إنها مجرد كلمات أو صور سريعة، لكن العالم يبني أفكاره عن الربيع العربي من خلال الخبر الصحافي، وليس من خلال الوثيقة العلمية.