كلما «دقّ الكوز بالجرة» قالوا إن هناك «أجندة خارجية»، وهي التي من خلالها ينتفض الناس ويثورون على حكامهم، وباتت عبارة أجندة خارجية مرادفة لجميع نشرات الأخبار الرسمية، حيث تُلقى اللائمة على مؤامرة تحاك ضد أمن البلد واستقراره وضرب وحدته الوطنية والنيل من مواقفه الثابتة تجاه القضايا العادلة، ولا ننسى أن نضيف أميركا وإسرائيل ودولاً أخرى غير (صديقة) إلى لائحة داعمي الأجندات الخارجية.
لقد لفت نظري تعليق لشاب مصري على «فيس بوك» يقول «ياريت ننسى حكاية الأجندة الخارجية، لأنها كلمة مهينة ومعناها إننا شوية عيال يسوقنا من يريد أن يسوقنا». الشعوب لا تحتاج لمن يذكرها بالظلم الحادث لها. لقد فاض الكيل وانفجرت الشعوب لتحرر نفسها من الاستعمار الذاتي بعدما حررت نفسها من الاستعمار الأجنبي. ولقد توقفت طويلاً أمام جملة «الاستعمار الذاتي» التي تعني بعفوية الضمير الشعبي، المساواة بين ظلمين!
هذا الأسلوب استخدمه ويستخدمه بعض الزعماء، عندما تهيج شعوبهم من حولهم طالبة الكرامة والحرية، وسرعان ما تظهر عبارات مستلة من القاموس الثوري المتجدد، لأنها مشاريع الأجندة الخارجية، ولا بأس بـ «القاعدة»، التي أرهبت العالم، وإن ما يجري هو محاولة من «القاعدة»، للسيطرة على البلد، ومن ثم الهجوم على أوروبا والعالم، محاولات أظهرت العجز المفضوح لخصوصية العلاقة التي تجمع تلك الأنظمة مع الولايات المتحدة وأوروبا أو إسرائيل ودول غير «صديقة»، لكنها محاولات تشبه التمسك بقشة الغريق.
ألم يتساءل هؤلاء منذ أول ثورة شعبية في الربيع العربي عن السبب؟ ولماذا يثورون؟ قبل الحديث عن الأجندات الخارجية «المشجب» الذي نعلق عليه كل الفشل السياسي، ألم يبحث أحد في الأسباب؟ وهل كان من المنطقي أن نقول عنهم، إنهم جرذان وكلاب وجراثيم، ويتناولون حبوب الهلوسة. وقبل السؤال عن الطوابير التي تقف أمام السفارات الأجنبية طالبة الهجرة من الأوطان الثورية، عن الكرامة التي يهدرها الشرطي لأي مواطن، عن لقمة العيش التي يأكلها الناس بمذلة، عن كم الأفواه، عن سجناء لا أحد يعرف مصائرهم، عن أثرياء السلطة، عن الرشوة، عن الفساد، عن قلة الحيلة، عن الخوف، عن المخابرات، عن كتبة التقارير، عن الذين يتمسحون بالمسؤولين، عن المستشفيات، عن المدارس، عن الجامعات، عن كل تفصيل صغير تدس المخابرات أنفها فيه؟!
هؤلاء أبناء الوطن لا يعرفون أجندات خارجية، لأنهم فقراء، همهم «الحيط الحيط ويا ربي السترة»، لكن فاض بهم الكيل فثاروا.. فحيّوهم.