حتى أيام قريبة كنا نعتقد أن الشعب الروسي نصير للمقهورين والمظلومين في العالم، ولطالما علمتنا أدبيات الحقبة السوفييتية، أن أميركا والرأسمالية العالمية من ألد أعداء الشعوب المقهورة، وإلى ذلك صَدرت لنا دار التقدم (رادوغا)، كتباً تشرح فوائد الأولى ومساوئ الثانية، حتى بات لدينا اعتقاد راسخ، أن خلاص العالم هو على يد الرفاق الروس.
لقد مثّلت موسكو للعرب الذّكريات القديمة عن عاصمة الثّورة والثّوار في العالم، عاصمة الشّعوب والمد الجماهيري، عاصمة نصرة الشّعوب المستضعفة، وبالرغم من التّحوّلات الجذريّة التي جرت في روسيا بعد تفكّك الإتحاد السّوفييتي، إلا أنّ بعض العرب ما زال يحنّ إلى الماضي الجميل ويتوقّع من روسيا أن تفعل فعل الاتحاد السّوفييتي السّابق، غير مدرك أن ديمقراطية روسيا اليوم تقوم على المداورة، حيث مدفيديف رئيساً للدولة وبوتين رئيساً للوزراء، وبعد سنتين يتبادلان المواقع !
تقف روسيا اليوم على مسافة بعيدة من الشعوب العربية، الشعوب التي تربت ذائقتها على شولوخوف وتشايكوفسكي وبوشكين وتولستوي وديستويفسكي وتشيخوف وكورساكوف، تراها اليوم تدفع سياسياً، ثمن حب عمره قرن تقريباً، وقد خاب أملها في رفاق الأمس، هؤلاء الرفاق الذين أوصلوا أوطانهم إلى ما هي عليه من فقر وذل وهدر كرامة، في حين يحصد أصدقاء الرأسمالية والامبريالية العالمية ثمرات عدم تمذهبهم سياسياً، والدليل أن فقراء الهند يعملون في انتاج الشرائح الالكترونية، بينما نحن لا نعرف كيف نعالج الكوليرا في حوارينا .
اهتمت الحضارة الروسية بمعرفة الشرق، وعلى وجه الخصوص العالم العربي، منذ قرون طويلة، فالثورة البلشفية كانت معنية بالعالم العربي، انطلاقاً من قراءة منهجية مختلفة عن القراءة الاستشراقية التي حملت صبغة استعمارية، فالثورة هدفها تحرير الشعوب من أسر العبودية والانطلاق بها نحو فضاء الحرية العالمي، على قدم المساواة مع جميع الأمم، لكنها اليوم طي النسيان، هي ومبادئ وقيم الحق والعدالة، ولم يتعلم الشرق منها سوى نظرية افتح سجناً تغلق عشر مدارس!
من يتذكر حقبة السوفييت ذات المواقف الدولية مع القضايا العربية، سيدرك حجم الخسارة التي يتكبدها العرب اليوم من موقف الروس من الربيع العربي، موقف تبنيه المصالح، وحتما سيخربه المستقبل، لأن النظر إلى الغد لا يعني مناصرة الظلم والابقاء عليه، بل التفكير فيما لو فاز المقهورون المظلومون. ترى هل سيرى الدب الروسي مياهاً دافئة بعد ذلك؟