طلب الرفيق نيكيتا خروتشوف، الذي كان مفوضاً سياسياً خلال الحرب العالمية الثانية، من الرفيق القناص الشهير فاسيلي زايتسيف، أن يخبره كيف يصطاد الجنود الألمان على خطوط التماس في معركة ستالينغراد الشهيرة. وعندما بدأ فاسيلي الكلام، قاطعه خروتشوف قائلاً: (توقف لا تخبرني شيئاً، هيا معي لإخبار الرفيق القائد). واصطحبه إلى قاعة كبيرة، ثم وقفا أمام صورة عملاقة لجوزيف ستالين وقال: (هيا أخبره كيف فعلت ذلك!).
يتأمل المرء هذا المشهد السينمائي المليء بالدلالة. ويتساءل كيف تتحول الصورة إلى رمز مقدس، فمن مجرد لوحة جامدة إلى مصدر إلهام للمستلبين، يقفون أمامها باحترام وتبجيل، وينظرون إليها نظرة ظاهرها الإعجاب والتقدير وباطنها الخوف والتهديد. وتختلط في نفوسهم مشاعر العمى الحسي بمشاعر العقل المجرد، الذي لا يرى سوى قطعة قماش ملونة لرمز من رموز القسوة عبر التاريخ؟
حكاية الصورة تلك كانت مشهداً من الفيلم الشهير (العدو على الأبواب)، وهو فيلم حربي أُنتج عام 2001، من إخراج جون جاك أنو، وتمثيل جود لو وإد هاريس. وتدور أحداثه في إطار معركة ستالينغراد في الحرب العالمية الثانية.
يسرد الفيلم قصة مطاردة ثنائية أثناء المعركة، بين القناص السوفييتي فاسيلي زايتسيف، وعدوه القناص الألماني إرفين كوينيغ.
في ذروة الحرب العالمية الثانية، قامت ألمانيا بغزو الاتحاد السوفييتي ووصلت إلى مدينة ستالينغراد، حيث كان يقاتل فاسيلي زايتسيف (جود لو)، وبرزت بطولاته في القنص، ما دفع بالمسؤول العسكري عن الدعاية، دانيلوف (جوزيف فينس)، إلى الترويج لها لرفع معنويات شعب الاتحاد السوفييتي المحطمة، وهو ما جعل من زايتسيف بطلاً قومياً، الأمر الذي أشعر الألمان بالإهانة ودفعهم إلى إرسال أحد أفضل قناصيهم إرفين كوينيغ (إد هاريس) لتصفيته.
ولئن كانت شخصية فاسيلي زايتسيف لا يرقى إليها شك، فإن الآراء تضاربت حول واقعية شخصية القناص الألماني كوينيغ، وحول حقيقة المطاردة في حد ذاتها، فقد نفى زايتسيف يقينه من أن الألمان أرسلوا قناصاً خصيصاً لتصفيته، لكن الدعاية السوفييتية حولت شاباً يصطاد الذئاب في جبال الأورال، إلى أسطورة فاقت مفهوم البطولة التي يجب أن تكون نتاج القائد ستالين الذي لا يظهر في الفيلم، لأن صورته كانت كفيلة بهذا الدور.
بين صورة ستالين في ذلك الفيلم ويومنا الحاضر، عشرات الصور التي يجري تقديسها بذات المشاعر (الإعجاب / الخوف)، ولا أحد يقف متسائلاً عن حقيقة الصور التي يسارع الناس إلى الانتقام منها في الشوارع، وفي قرارة أنفسهم أن الصورة تحكمهم، وعندما يمزقونها بغضب (يدركون أو لا يدركون) أنهم مزقوا خوفهم وثاروا على طغاتهم.