تحضر السياسة في خبزنا اليومي ، وكأننا في هذا الشرق لا نجد تسلية أفضل من السياسة ، وكأن الأخبار كل الأخبار تجد في شرقنا المتخلف مادة تبيض ذهباً للنشرات الإخبارية ، ولا نخجل وسط كل ترف الدنيا من البحث عن محطة إخبارية لنتابع من خلالها نكدنا وتعاسة عيشنا ، أو لنبحث فيها عن تفجير وتكفير وتخوين وتثوير وتبرير .. وكل ما يحرق الدم والنفس.
ذات رحلة إلى بلد أوروبي طلبت من إدارة الفندق الذي أقمت فيه أن تتيح لي مشاهدة محطة إخبارية ، ومن ثم قلت يمكن إضافة بند فتح القناة إلى فاتورة الغرفة ، فقال لي الموظف المختص إن القنوات الإخبارية مجانية في معظم الفنادق ، أما القنوات المدفوعة فهي القنوات العائلية و الترفيهية ، وكأنه يقول لي ما حاجة الذين يعيشون في النصف الشمالي للكرة الأرضية إلى قنوات إخبارية ، إنهم سعداء بحكم الجغرافيا.
لقد تخلص الغرب من الوهم بالأفضلية وتركوا لمن يرسلونه إلى مجلس النواب لحل مشكلات البطالة والضرائب ، وعزفوا عن أطلس العالم ، فهم لا يعرفون أين هي ليبيا لولا سخونة المعارك ، وهم لم يسمعوا بالملا عمر ولا يعرفون أين أفغانستان .
ولديهم كل ذي شنب يشبه صدام حسين ، وكل ذي عمامة هو أسامة بن لادن ، وكاد يطير صوابهم لأن جورج بوش الابن يقصف خيمة ثمنها عشرة دولارات بصاروخ ثمنه مليون دولار. وتراهم يطالبون بإرسال طائرات تحمل الأغذية والدواء وليس حاملات الطائرات وناقلات الجند.
يمكن لأي متابع أن يلتمس خطاب (الخوف من الاسلام) في وسائل الإعلام الغربية ، هل السبب هو صورة المسلم ، أم ما يراه الساسة ، أم حقيقة الشعور بالتفوق العرقي ومن ثم التقني ، أم هناك أسباب أخرى ذات بعد نفسي أبرزها النأي عن الآخر وعدم الاهتمام بمشكلاته إذا لم تصل الغرب ، لذلك يشكل المهاجرون من الشرق ثقلا ً نفسياً وليس اقتصادياً ، لأن معظمهم يعمل في وظائف رخيصة لا يحبذها الغربي المتحضر .
وعليه نعتقد أن مشكلاتنا هي فيما تنتجه السياسة من إفرازات تنعكس سلباً على حياتنا اليومية ، ومعظمنا لا يدرك أن مشكلته الحقيقية لا تبدأ من حقل السياسة بل هي في بنية المجتمع حيث يغيب النقد وتحضر المجاملات وتحل النفعيات محل المصلحة العامة ، وكأن المكتسب الفردي هو الأساس في الوطنية ، وليس المكتسبات الجماعية ، وما يرثى له أن الشرق يفهم السياسة التي يحبها من (أناه) الشخصية وليس من (أناهم) .