أرثي لحال هؤلاء المثقفين، الذين يبررون القتل ويختلقون النظريات للدفاع عن الأنظمة، ويجدون مخرجاً (نقدياً) لسيل الرصاص في الشوارع، وأرثي لحال الذين يرون في الإعلام الأحادي الجانب وجهاً مطلقاً للحقيقة، وأرثي لهؤلاء الذين ينحازون لثقوب ضيقة في ولاءاتهم، وأنظر بشفقة للبائسين الذين يجلسون أمام الشاشات بأفواه فاغرة يصدقون الحقيقة العمياء، ولا يذرفون دمعة على وطنهم الجريح أو يضعون يدهم على قلوبهم لأن مستقبلهم يأتي على حصان أعرج.

لقد كشفت الثورات العربية الجديدة عن موقف مدجن للمثقف العربي، كما كشفت عن وجهين متناقضين، فهو يؤيد ثورة مصر لأنها أسقطت كامب ديفيد! ولا يؤيد سقوط القذافي لأن الاستعمار يقصف ليبيا، ويشعر أن ثورة تونس عفوية وقليلة الدماء، وموقفه غامض في اليمن وخائف في سوريا، ولكنه يجد تبريراً لما يحدث ويسوّق نظرية المؤامرة التي تأتي على شكل قوس من المحيط الثائر إلى الخليج الهادر، ومن خلف ذلك أميركا وإسرائيل، وكأن شعوب المنطقة دجاج في مزرعة الزعماء.

لقد تدافع العديد من الكتاب من دولٍ عربية للدفاع عن النظام الذي يحبونه واتهموا معارضيه بالخيانة والتآمر، ولم ينتصروا لحقيقة الشعب يريد الحرية أو الشعب يريد الكرامة، بل انتصروا لفكرة التآمر الخارجي للنيل من الأمة ـ وكأن الأمة كانت مهابة لا أحد يعتدي على كرامتها!

ـ ولم ينظر هؤلاء الكتاب إلى لائحة المكافآت التي كان يغدقها نظام القذافي على المثقفين، ليس بسبب تواجدهم في احتفالات الفاتح من سبتمبر فحسب، بل بسبب حملهم للكتاب الأخضر عند عودتهم من طرابلس، وذهب البعض إلى تصنيف العقيد المخلوع في مجال المبدعين بكتابة القصة!

الفاجعة القاتلة تكمن حين يرى المثقف أن الشعوب التي ثارت على واقعها المر هي عبارة عن كتلة صماء مظللة وتتحرك حسب أجندة خارجية وتقلد ما يجري خارج الحدود، ويكاد يصم أذنيه ويغلق عينيه عما يجري في شارعه، ويخترع آلاف الأعذار كي يطعن بالثورة مستجدياً رضى نظام كال له العطايا، مبرراً ان بنية مجتمعه تختلف عن مجتمعات أخرى، وأن المشهد السياسي في وطنه يتحرك وفق مشروع يرعاه الأعداء، وأن إسرائيل هي المستفيد الأول من هذا الحراك المرتبط بالدوائر الأجنبية والمخابرات الأميركية.

كان الأجدى أن يكون موقف المثقف تثويراً وفاعلاً في نصرة حراكه الشعبي، لكن للأسف كان موقفه تبريرياً لما يفعله النظام بالشعب، ونراه يعيد الأسطوانة ذاتها التي قادت إلى ما وصلت إليه حال الشعوب في المنطقة، أسطوانة مشروخة تبرر القتل وتشرعن الاعتقال، غبر آبه بخيانة المبادئ والقيم والأخلاق التي هي من صميم موقف المثقف. حقاً إنه يستحق الرثاء والشفقة.