ينحي الشاعر محمد فؤاد باللائمة على أعضاء الجسد ملتقطاً تفاصيل كل جزء ليفتته ويعيد تشكيله من جديد عبر طاقة من الوصف المشهدي والوظيفي تاركاً للقارئ تحسس الغضاريف أو الكبد، أو باحثاً عما لا تدركه اليد لمساً مثل المخيخ أو نفير أوستاش، وكأنه يلوم الجسد لكثرة تفاصيله، تلك التفاصيل التي سردها محمد فؤاد شعراً في مجموعته الأخيرة (أجزاء الحيوان).

 

منذ (طاغوت الكلام) أول كتب الشاعر السوري محمد فؤاد تتضح معالم قصيدة نثر منتصبة القامة أو مشدودة الظهر ببهاء حماسي يبعدها عن الثرثرة، ومنذ بواكيره الشعرية في ملتقى جامعة حلب مطلع ثمانينات القرن الماضي أفصح محمد فؤاد عن خصوصية تكبدت الكثير من الـتأني قبل إطلالتها الأولى، فقد كانت الأمسيات التي تضمنها الملتقى مجالاً رحباً للاقتراب من شعر جديد يولد من عمق اليأس، شعر عبر عن حالته كشاهد موثوق على مبارزة النبلاء في الفجر.

 

عبر ربع قرن قدم الشاعر محمد فؤاد أربع مجموعات شعرية في زمن يركض فيه الشعراء حفاة على جمر الحياة، تطاردهم لامبالاة الناس بالشعر، كما يعد انصراف النقاد أو قلّتهم واحداً من أبرز طرق استسهال الشعر ، في ذلك العالم الذي يدفع إلى اليأس يصر محمد فؤاد على كتابة قصيدة النثر ، قصيدة تأتي من عالم طبيب كانت الجراحة مبضعه لتفصيل كتابه (أجزاء الحيوان) ، ولكأني أتساءل لماذا الحيوان وليس الانسان ، هل لأن حصص التشريح تبدأ بالضفدع والأرنب أم لأن الانسان حيوان ناطق مجازاً؟!

 

أسئلة القارئ تفصح عنها تفاصيل صغيرة في الديوان، تفاصيل لطالما كانت مفتاحاً خاصاً في قصيدة النثر ، وهي قطعاً لا تقوده نحو حقائق الحياة ، ولكنها تمنحه حقيقة إنسانية عبر تجوال حر ومربك في القلب ومعناه ، الدم وما يعادله من مشاعر، الدمع ودلالاته، كلمات من مفردات الجسد تتحول إلى نص شعري يوازي بين الشكل الفيزيولوجي والمعنى الفلسفي، بطريقة مغايره لما ألفته ذائقة الشعر عامة، وقصيدة النثر تحديداً.

 

أن تكتب شعراً طيلة ربع قرن ، ثم ألا تجد نقداً موازياً أو ناقداً مهتماً، ذلك يعني إصراراً وأصالة لما تنجز ، وأغلب الظن أن كثيرا من الشعراء يخبو بريقهم ذات يأس، غير أن محمد فؤاد دفعه (ذات اليأس) نحو الاستمرار والمثابرة ، فاستحق الاحتفاء.