تنصرف الكتابة الروائية العربية عن التفاصيل الحياتية وتنشغل بالمقابل بما هي شخصي وذاتي ، وتتحول الرواية من حكاية فيها جغرافية واضحة، إلى منولوج ذاتي فيه تاريخ شخصي، وهو ينافي أبسط شروط الرواية (الخبرة الحياتية) التي تعطي الكاتب مساحة من الزمن ليخزّن المعلومات ويحاكمها ويعيد إنتاجها ثانية ، لكن عندما يكون الكاتب يافعاً يصبح من الصعب تحقق هذا الشرط ، وتصبح الكتابة شخصانية جداً.

تنتشر هذه النوعية من الكتابة بسبب غياب النقد ، وحسب الروائي المصري سليمان فياض (82) عاماً ، "النقد ينقصه النقاد، الموجودون على الساحة الآن ليسوا نقاداً، بل مدرسون في الجامعات وهم يقومون بدور مضاعف، أما الناقد الحقيقي الذي يتفاعل مع العمل الإبداعي، ويشارك المبدع في إنتاج إبداع مواز فهو غير موجود".

هذا الإقرار بالحقيقة جاء متزامناً مع موجة كبيرة من الكتابات الروائية انتعشت خلال العشرية الأخيرة مستفيدة من سهولة النشر وسرعة الانتشار، وتقلص المعايير المطلوبة للنشر ومساهمة الصحافة في توسيع رقعة التعريف بالكتب الصادرة حديثاً دون النظر إلى قيمة الكتاب الفعلية لناحية، ولناحية أخرى عدم قدرة تلك الصحف على تميز الغث من السمين، فانتشرت كتب روائية لا علاقة لها بالرواية.

لقد لعبت الكتابة الفضائحية دوراً كبيراً في الرواية الشبابية ، وأكملت الرواية الجنسية ميول الذكورة في المجتمع الشرقي ، ولم تنج من ذلك الروائيات الشابات ، حيث فصّلن كثيراً تقاطيع أجسادهن على الورق ، لأن الكتابة ذات البعد (الكاشف) تعطي صدقاً وحيوية للعمل الروائي ، وهو ما دفع إلى ترجمة رواية (برهان العسل) للسورية سلوى النعيمي إلى عدة لغات، وترشيحها لفيلم سينمائي سيكون (بورنو) بامتياز.

ما يؤسف له أن تكون هذه النوعية من الكتابة حاضرة وممثلة للعرب في محافل ثقافية عالمية، وأن يكون كُتّاب تلك النوعية من الكتب ينقلون إلى مهرجانات الثقافة هذا النموذج من الفكر مقابل غياب التفاصيل الحياتية التي تعكس واقع المجتمعات المحلية وتقفز فوقها بشكل بهلواني نحو جزئية الكبت لتصبح هي القاعدة والحياة المقابلة هي الاستثناء.

ما يؤسف له أن الروائيين العرب الكبار لا يلقون اهتماماً مماثلاً لأن النقد لا يقاربهم والمترجمون غافلون عنهم والصحافة تستسهل التعامل مع الشباب ولا تسعى نحو الآباء ، لذلك حال روايتنا سيكون كحال تخلفنا ، أنا ومن بعدي الطوفان ، حيث عالمهم يبدأ من ما هو شخصي وينتهي إليه.