تأملوا معي هذه الجُمل : الهجمة الاستعمارية الشرسة، المتربصون بأمتنا، العدوان الغاشم، أعداء الداخل و الخارج ، أذيال الاستعمار، ضرب مكتسبات الثورة، تهشم الأطماع على صخرة الصمود ، ماضينا المجيد ومستقبلنا التليد ، صمود لا يعرف الهوان، الخلايا الرجعية النائمة ، الإمبريالية العالمية، الرأسمالية العفنة، البروليتارية الرثة، المنجزات التي حققتها الثورة، سنضرب بيد من حديد، شعبنا العظيم، شعبنا الأبي، أرضنا المعطاء، الأب المناضل، الأخ القائد، لقد دقت ساعة الحسم الثوري، إلخ...

عبارات صدحت بها الإذاعات العربية طيلة نصف قرن ، ولم يفوت رفيق مناضل، أو أخ قائد جملة من قاموس الحماسة الضخم إلا وكانت محشورة في خطابه التاريخي، أوفي افتتاحيات لصحف ونشرات الأخبار، بالإضافة إلى التحليلات السياسية للمرحلة الدقيقة في المنعطف الخطير الذي يمر به الوطن، كما أصبحت كثير من عبارات مماثلة مدخلاً لسوق الجماهير نحو الساحات للهتاف بالروح بالدم، غير مدركة للمعنى العملي لموت الإنسان في سبيل شيء لا يفهمه.

لقد أتخمتنا ثورات الأمس بقاموس لغوي يتفجر حماسة ويشتعل لهيباً طيلة نصف قرن، ولم يترك منظروها ثقباً في سفينة (النضال) لم يرقع بكلمات يكاد المرء لهولها أن يصرخ (خذوني فداء لنظرياتكم)، تلك الثورات لم تفسح المجال لفكر أكثر توازناً أو أقل تطرفاً، فقد كانت التوجهات الغوغائية تفرز الناس إلى فئتين، فئة من هم معنا (أصدقاء ومريدون)، وفئة من هم ليسوا معنا، وببساطة ديماغوجية (يمكن أن يكونوا أعداء)، وهذا التصنيف ظل سارياً نصف قرن، وهاهو اليوم يعود إلى الواجهة، أن تكون معنا أو لست معنا، لا توجد منطقة وسطى.

وليعذرني القارئ لأني استخدمت مصطلح (الديماغوجية) لأنه الأكثر تعبيراً عن حالة الثورجية ومصطلحاتهم، و الديماغوجية كلمة يونانية تعني ديما من "دِيمُوسْ " الشعب، وغوجيا من "أين": قاد / قيادة) وهي استراتيجية لاقناع الآخرين بالاستناد إلى مخاوفهم وأفكــارهم المسبقة عن طريق الخطابات والدعاية الحماسية مستخدمين المواضيـع القومية والشعبية محاولين استثارة عواطف الجماهير.

وعادة يلجأ إليها السياسيون لإغراء الشعب أو الجماهير بوعود كاذبة أو خداعة وذلك ظاهرياً من أجل مصلحة الشعب، وعملياً من أجل الوصول إلى الحكم. وعليه فهي خداع الجماهير وتضليلها بالشعارات والوعــود الكاذبـــة. والديماغوجي هو الشخـص الذي يسعى لاجتذاب الناس إلى جانبه عن طريق الوعود الكاذبـــة والتملق وتشويه الحقائق.