في ظل الثورات العربية التي تتلاحق يوماً بعد يوم تموت المهرجانات يوماً بعد يوم، وإذا كانت هناك بقية لأنشطة عربية تتنفس، فالكثير من الأنشطة يلفظ أنفاسه الأخيرة، ربما تهب ريح الحرية فيعود الهواء إلى قاعات الثقافة.
كانت مهرجانات مصر الثقافية في طليعة تلك الأنشطة، ولعل معرض الكتاب الدولي الذي كان يقام في القاهرة أحد أبرز العناوين لثقافة ولادة ضربتها رياح الثورة، فخاف الناس وانصرف الضيوف عن تلبية الدعوات ومرت الأشهر التالية دون حركة ليس على صعيد الثقافة فقط، بل على صعيد الفن وما يتصل به من أنشطة أيضاً.
كما كانت مهرجانات تونس الفنية علامة فارقة في بلد يقصده الناس للعيش في سحر قرطاج الذي تتسابق إليه الأسماء كما كان يخطف الأنظار بما هو جديد وملون في حياة الموسيقى، وإلى ذلك كانت مهرجانات السينما والشعر، التي طوت صفحتها كما طوت حقبة تاريخية في مكانها، فلم تعد الدولة ترعاها، فقد أصبحت الدولة بحاجة إلى رعاية.
الحال في سوريا الملتهبة ليس أفضل من أنشطة الثقافة في مصر وتونس فقد ضربت رياح التحركات الشعبية بواحد من أبرز أنشطة الثقافة، حيث غاب معرض دمشق الدولي للكتاب، الذي كان يقام في أغسطس كل عام إلا أن أغسطس هذه السنة كان ساخناً جداً إلى درجة لا يحتملها الناس فمات من مات وهرب من استطاع إلى الخارج سبيلًا، وكذا حال مهرجانات السينما والمسرح وبصرى وغيرها.
بينما رياح التغيير العاصفة في اليمن وليبيا لم تغير كثيراً في أجندة الأنشطة الثقافية التي لم يكن لها بعد جماهيري عربي أسوة بمهرجانات مصر وتونس وسوريا، ويكاد يصح القول ان أنشطة خجولة تقام في هذين البلدين رغم ما تمثله الثقافة هناك من طاقة شعبية كبيرة تترجمها الكتب التي لا تجد طريقها بسهولة إلى القارئ.
لقد تأجل مهرجان الاسكندرية السينمائي ومهرجان القاهرة السينمائي وتأجل مهرجان المسرح القومي، بينما أقيمت مهرجانات ومعرض للكتب في سوريا وتونس بمغامرة كبيرة تشبه أخطاء عمال الديناميت، حيث الرقابة قفزت فوق الكتب لتصل إلى حركات الناس وتلفتاتهم، وكثيراً ما تكون أجهزة الأمن نموذجاً لزوار دائمين في المعرض.
رياح هبت وأخرى تستمر بالهبوب، والثقافة في الحرب كما في السلم ضحية حالها حال (الحيطة المالية) قابلة للهدم والسجن والإزالة أو التأجيل أي الإلغاء.