ذات الأقدام التي رقصت راجفةً له تدوس على صورته الآن في ليبيا، وذات الحناجر التي هتفت له بالروح بالدم تبصق عليها ، والجموع ذاتها التي كانت تلوح بالأعلام الخضراء رفعت علم الاستقلال ، وتبدو الإشارة واضحة لتحول جماهيري سريع ، من شعب يخاف إلى شعب حر ، ومن شعب يموت فقراً وقهراً إلى شعب يعيش كريماً.

في معظم الدول العربية والاسلامية اختزلت الدولة برمتها بشخص القائد وتلاشت أمام مكانته العليا مكانة الشعب برمته، لهذا تراه يردد انه يفدي قائده بالروح وبالدم، وبطريقة غير واعية يتجمع الملايين في الساحات في مشهد كرنفالي يعيد إلى الأذهان حكاية الرفاق ستالين وكيم جونغ إيل و تشاوشيسكو وكاسترو ، الذين أمضوا فصول العمر في تركيع الشعوب، شعوب تنقلب عليهم وعلى عائلاتهم، وتحقد على ذكراهم.

 

يحضرني سؤال كبير في ظل انتصار الثورات ، كم من الجهد والوقت من المال تحتاج ليبيا مثلاً للتخلص من (الفاتح) حيث تحمل آلاف المؤسسات الوطنية والمستشفيات والحدائق والمدارس والمشاريع اسم الفاتح، وكم من الوقت للتخلص نفسياً من عبء الصورة على دفاتر المدرسة وجدرانها، على أعمدة الكهرباء وزجاج السيارات، كم من جهد لنزع الصورة من المخيلة التي ألفَتها وأعطتها هالتها القدسية وخافت من زعزعة حضورها.

 

ولأن الناس لا تهتم لمشاريع الجمهوريات والجماهيريات الخمسية والعشرية، فإنها تسعى لأكل عيشها تركة للأخ الأكبر مراقبة الزرع والضرع والحدود والسدود ، فهي تدرك سلفاً لو مات السجان سيبقى سجنهم (وطنهم) دون حارس ، وهم يرتبكون من شدة الحرية ، ويخافون أن تموت مشاريعهم الخمسيــة والعشريــــة والقرنية، ويخافون أن يستعمرهم الغرب ، أو أن تهجــم عليهـــم الإمبرياليــة وليس في جيبهــم خطاب واحد للرد عليها ، لذلك ينصـــرفون عن الحياة السياسيــــة ويعَيّشـــون القائـــد ويبجلون حضـــوره أو حضــور صورتـه في مخيلتهم.

 

لم يكن سهلاً أن تنتفض الشعوب على سجانيها ، ولم يسمع الطغاة بمفهوم تداول السلطة أو ديمقراطية الحكم ، كانت الحياة كتاباً أخضر أو كتاباً أحمر أو كتاباً أصفر ومنه تستمد الأحكام والدساتير لأن فيه خلاصة خبرة القائد الملهم ، ومن خلاله تمر مؤسسات الدولة ، وباسم مؤلفه تهتف الناس (بالروح بالدم) ... لكن علينا ألا ننسى أن أول انتفاضة جماهيرية في ليبيا بدأت بتحطيم مجسم عملاق للكتاب الأخضر في بنغازي.

تلك كانت البداية ثم دارت العجلة.