في منتصف مايو من العام 2003 التقيت الشاعر الراحل محمود درويش في القاهرة خلال احتفالية نظمها المجلس الأعلى للثقافة في مصر بمناسبة مرور 20 سنة على رحيل الشاعر أمل دنقل، حشد لها آنذاك الدكتور جابر عصفور جمهرة من النقاد والشعراء من داخل الوطن العربي وخارجه، لإحياء ذكرى شاعر تدين له الثقافة العربية بكثير من الانعطافات التي نحصد ثمارها اليوم.

بدا محمود درويش في تلك المناسبة أقل مما تقدمه الصورة النمطية التي عُرفت عنه، الشاعر المتباهي، طاووس وسط قاعة المرايا، كان أقل تواضعاً، محاطاً بعدد كبير من الشعراء والأصدقاء الذين يتلقون التعليقات بفخر، محمود درويش يجيد التعليق ويوزع الأدوار على من يحب، ولم تكن المرأة حاضرة إلا قليلاً في تلك الاحتفالية، يومها قال ( ما فيش شاعرات، المهرجانات العربية ذكورية). ثم أردف قائلاً بصوت خفيض: هيك أحسن. ربما كان يتلمس جمال المبدعات (!) ويقارنه بالمعجبات.

مشوار محمود درويش الأدبي امتد لقرابة نصف قرن كان نصيب القاهرة منه ثلاث سنوات، حيث عاد محمود من موسكو إلى القاهرة أوائل السبعينيات وقد راح اسمه يلمع في عالم الكتابة ممثلاً صورة الحقيقة الشعرية، ورسولها المكابد بقوة وشجاعة وإصرار لإعلاء صدق التجربة ووهج واقعها المعاش، وفي القاهرة (قاهرة السبعينيات) كتب محمود درويش قصيدته الشهيرة (سرحان يشرب القهوة) التي تمر على الهم الفلسطيني بعمومه وتعيد تشكيله بأسلوب ملحمي.

في كل سنة تمر ذكرى محمود درويش مثل (كلام عابر)، وها هي ذكراه الثالثة وقد سبقتنا باريس إلى إطلاق اسم محمود درويش على إحدى ساحاتها، بينما كل ما فعلناه وسنفعله هو مهرجانات تهدى إليه مثل كلام عابر دون أثر يبقى ماثلاً أمام الأعين، والساحة بالساحة تذكر، حيث لم نبادر إلى فعل شيء يرسخ ذكراه في حياتنا، أين مدرسة تحمل اسمه، وأين مركز يخلده، وأين قاعة فيها شعره، وأين كتاب يضعه في مكان يستحقه؟

في احتفالية أمل دنقل تلك لم أنظر إلى محمود درويش من نافذة صغيرة أرى فيها قلباً عليلاً، بل نظرت من تلك الزاوية التي رأيت فيها رجلاً قوياً مقبلاً على الدنيا، يحيط نفسه بعدد قليل من المقربين يسأل عن الحسناوات في المساء، وإذا كنت التقطت من حضوره شيئاً فهو تلك المجاملة التي وزعها على شعراء يعرفهم وأصدقاء يودهم وقراء أعطوه سر الحياة.