ذهب الطفل الصغير لأول مرة مع أبيه إلى البحر في رحلة هي بمثابة مغامرة للطفل، لكن في منتصف النهار هبت عاصفة تمايل لها القارب فاضطرب الطفل، وقال لوالده خائفاً: المياه يا أبي ستُغرقنا. أمسك الأب الخبير بكتفي صغيره، ونظر في عينيه، وقال له بثقة: ماء البحر لن يستطيع إغراق قاربك، إذا لم يصل إلى داخله.

هكذا حال الثورات العربية لم يكن لها أن تنجح لولا وصول الماء إلى داخل السفينة أو بمعنى أدق كانت السفينة مليئة بالثقوب.

عندما يكون المحك هو كرامة الانسان، يفضل المرء الكرامة على الخبر، ولطالما لم تكن كرامة المرء مصانة في معظم الدول العربية، حيث يتعرض المواطن العربي للإهانة كل يوم في العمل، وفي الشارع، ويعتدى عليه كل موظف حكومي، ويهينه شرطي المرور، وينهره سائق الحافلة، ويطالبه موظف السجل المدني بالرشوة علانية، ويفرض عليه زبال الحارة ضريبة بالقوة لأنه ينظف الشارع، ويسرقه سائق التاكسي دون خوف من قانون أو من محاسبة، حتما هذا الانسان يعيش بلا كرامة.

لكن الأسوأ في هدر الكرامة عندما يفقعه زميل العمل أو الدراسة تقريراً من تحت الدست إلى جهة أمنية، فتستضيفه يوماً أو أسبوعاً أو شهراً فقط لأن شخصاً كاد له كيداً عظيماً، أو لأنه لا يحبه أو لأنه حاسد، أو متربص، وربما هو متفوق والزميل مراقب ومتلصص وله نفوذ أو معارف في أجهزة الأمن، لذلك يلطش شمالاً ويميناً في عباد الله ويرسلهم إلى زيارة بيت خالتهم (وهو التعبير الشائع في وصف أقبية المخابرات)، وبيت الخالة لمن لايعرفه يهين المواطن العربي، ويعطيه دروساً في تقوية الشعور القومي وعدم إضعاف همة الأهمة، ناهيك عن روزها وشعاراتها وخططها الخمسية والعشرية والمئوية.

في ظل كل ما يهين المواطن العربي ويخيفه لا تنفك الأجندة الحكومية دعوته إلى رفع الرأس، والاعتزاز بالتاريخ وبالأجداد وبالماضي المجيد، لأن الأعداء يتربصون به وبمنجزاته التاريخية ويريدون النيل من صموده لإجباره على الإذعان لمخططاتهم، وسيجد كل مواطن شعاراً في بيته ومدرسته وحائط شارعه المعتم وفوق كل مؤسساته الحكومية يدعوه إلى الاعتزاز بنفسه، وأن يعد العدة هو وذريته العقائدية الصالحة للمعركة الكبرى، ضد الاستعمار والرجعية والامبريالية والرأسمالية والانتهازية !

لكن ماذا يفعل؛ وقد هبت العاصفة ودخل الماء إلى القارب، وكان القارب مليئاً بالنظريات المثقوبة التي بلاها الزمن وصدّعها التاريخ.