عندما كان اللبنانيون منشغلين بمحاصصاتهم الوزارية كان أمين معلوف يجتاز عتبة الأكاديمية الفرنسية التي لا يدخلها إلا الخالدون، وهكذا مرّ خبر شخصية مرموقة مروراً سريعاً وسط أخبار الثورات ومحلليها الذين لم يسمعوا باسم الروائي اللبناني أمين معلوف.
هاجر أمين معلوف المولود عام 1949 إلى فرنسا مع بداية الحرب الأهلية تاركاً الملحق الاقتصادي لجريدة النهار، حيث عمل في مجلة إيكونوميا الاقتصادية، واستمر في عمله الصحفي فرأس تحرير مجلة (إفريقيا الفتاة) أو (جين أفريك)، وأصدر أول أعماله (الحروب الصليبية كما رآها العرب)عام 1983م، عن دار النشر (لاتيس) التي صارت دار النشر المتخصصة في أعماله.
عمل معلوف على الوثيقة التاريخية فحولها إلى رواية ممتعة، وكانت روايته (ليون الأفريقي) مدخلاً واسعاً لشهرته، فقد استطاع عبر شخصية حسن الوزان أن يتتبع حركة مهاجر من الأندلس إلى المغرب إلى الأناضول وصولاً إلى وسط أوروبا حيث علا شأنه وذاع صيته.
غير أن روايته (صخرة طانيوس) وضعته في مكانة أبرز عندما حاز جائزة (الغونكور)، كبرى الجوائز الأدبية الفرنسية، عام 1993 عن ذات الرواية، وقد قيض لأمين معلوف أن يترجم الراحل عفيف دمشقية جل رواياته إلى العربية لتزداد توهجاً، عبر لغة منحتها الفكرة ونفخت في جسدها الحياة.
تميز مشروع أمين معلوف الإبداعي بتعمقه في التاريخ من خلال ملامسته أهم التحولات الحضارية التي رسمت صورة الغرب والشرق على شاكلتها الحالية. ونال عدة جوائز أدبية فرنسية، منها: (جائزة الصداقة الفرنسية العربية) عام 1986م، عن روايته (ليون الإفريقي).
كان اسم أمين معلوف مطروحا لتولي وزارة الثقافة في واحدة من الحكومات اللبنانية، لكنه فضل مناصب خالدة، وهاهو اليوم يدخل الأكاديمية الفرنسية ليستحق احترام العالم بعيداً عن عالم وزارات لبنان، وليحل محل العالم الأنتروبولوجي الفرنسي كلود ليفي ستروس الذي رحل عام 2009. فقد حسب كثيرون أنه ضرب من ضروب الخيال. لبناني يستوحي فكره من مشرقه يستحيل أن يصل إلى هذا المنصب حيث السهر على اللغة الفرنسية وصناعة خلودها كلغة حية. وهكذا دخل أمين معلوف أخيراً الأكاديمية الفرنسية، بعد محاولتين سابقتين باءتا بالفشل، جامعاً سبعة عشر صوتاً مقابل ثلاثة أصوات لغريمه الفيلسوف الفرنسي ايف ميشو.
قدم معلوف لوطنه من مهجره إضافة لم يكن لأهل السياسة أن يفعلوها، ورسخ في واحدة من أعرق مؤسسات الفكر في العالم سمعة أكثر أهمية مما فعله الساسة، فقد صنع من فكره جسراً يصل الشرق بالغرب.