مرت ذكرى رحيل الشاعر أمل دنقل (‬1940 ــ ‬1983) مروراً منسياً، وسط فورة الثورة في مصر، وكان مقال الدكتور جابر عصفور (الحياة ــ ‬25 مايو ‬2011) يكاد أن يكون متفرداً في المناسبــــة، وهو يأســـى لأن الثـــورة التي نادى بها دنقــــل قامت ولم يشــارك فيها، لكنه ترك بصمة في حياة مصر ساهمت في إذكاء جـــذوة الفكر، الذي ناهض الظلـــم والفســــاد والخوف، وكل ما عانى منه الشاعر الرائي، جاء شباب من بعده وأكملوا الحفر في ذات الخندق.

 

كان أمل دنقـــل من أبرز شعــــراء مصر في النصف الثاني من القــرن العشرين، ولد عام ‬1940 بقرية القلعة، بمحافظــــة قنا في صعيد مصر. وتوفي في ‬21 مايــــو عام ‬1983 عن عمر ‬43 سنة، بعد معاناة استمرت ثلاث سنوات مع مرض السرطان.

 

ومثل جميع شعراء الأرياف نزح إلى المدينة وشعر بالصدمة في القاهرة أول مرة، وظهر هذا واضحاً في أشعاره الأولى. (يا اخوتي الذين يعبرون في الميدان مطرقين/ منحدرين في نهايــة المســـاء/ في شارع الاسكندر الأكبر/ لا تخجلـــوا ولترفعــــــوا عيونكم إليّ/ لأنّكم معلقون جانبي على مشانـــق القيـــصر/ فلترفعوا عيونكــم إليّ/ لربّمــــا إذا التقـــــت عيونكم بالمـــــوت في عينيّ/ يبتسم الفناء داخلـــي لأنّكم رفعتـــم رأسكم.. مرّة).

 

صدمة أمـــل دنقل تشبـــه صدمة محمد الماغوط (‬1934 ـ ‬2006) عندما جاء إلى دمشق قادماً من (سلمية) وسط سوريا، وقد أبهرته بإسمنتهــــا وضجيجهـــا وغربتها فصرخ:

(قلت لها: عطشان يا دمشق، قالت: اشرب دموعك، قلت لها: جوعان يا دمشق، قالت كل حذائي).

 

غير أن المدن الحديثة لم تكن ذات مودة مع الشعر، وينسحب ذلك على كثير من الشعراء الذين جـــاؤوا إلى المدن تصحبهــــم فطريـــة الريف وعذوبته، ليكتشفــــوا حجـــم الدمـــار الروحي الذي تتركه المــدن الكبيرة على البشر، وقد ضع الناقد السوري حنا عبــود كتاباً في ذلك بعنوان (النحل البري والعســــل المرـ وزارة الثقافــــة السورية ‬1982) درس فيه صدمة المدينة على شعراء الريف.

 

لذلك استوحى أمل دنقل قصائده من رموز في الذاكرة الإنسانية، وقد كان السائد في ذلك الوقت التأثر بالميثـــولوجيا الغربية عامة واليونانية خاصة، وحضرت أسماء (قيصر وسيزيف وبرومثيـــوس) في شعره، وكأنه يريد عودة الزمن ليرى - أو نقل الزمن ليشهد - لكنه لم يشهد ثورة مصر، رغم أنه كان من مؤسسيها فكرياً، ويستحق تقديراً أكثر كلما مرت ذكراه.