(ما من إنسان لا يشكل خطراً على إنسان) عبارة قاسية أطلقتها الكاتبة الفرنسية ماري دي رابوتيه، تلخص فيها معاناتها في الحياة بعد رحيل زوجها مكرسة نفسها لتربية طفليها، فيها من الفظاظة ما يدفع المرء إلى مراقبة جيرانه الخطرين.

 

أو زملاء عمله، أو باعة السوق، أو رواد المطعم، وربما أفراد عائلته متحسساً موقع الخطورة فيهم، متسائلاً: هل الإنسان عدو لبني جلدته؟ وهل الغابة كامنة فينا؟ أين إذاً زينة العقل وحسن المظهر ونعمة الأخلاق؟

 

كيف يصبح الإنسان خطراً على الإنسان في مجتمع يقوم على منظومة من الفضائل والأخلاق تحميها الشرائع السماوية وتعززها القوانين؟

 

لعل قصة قابيل وهابيل تلخص المفهوم التنافسي المفضي إلى الخطر، قصة تعود لأزمنة سحيقة فيها من العبرة الماثلة في يومنا الحاضر، حيث يتنافس البشر حسب طبائعهم، ويقتتلون للفوز بنصيب الآخر في الحياة.

 

ولطالما كانت مفردات الطمع والحقد والغيرة والحسد، دافعاً للخطر حتى ان كل مفردة تفرعت إلى قاموس من الدوافع لتصبح منظومة الشر توازي الخير بل تتفوق عليها في كثير من الأحيان، وإلا كيف نفسر الحروب والقتل والفظائع التي يرتكبها الإنسان في حق الإنسان؟

 

في كتابه (الحرب قبل الحضارة) ذكر لورانس هـ. كيلي، أستاذ التاريخ في جامعة الينوي ان ما يقرب من ‬95 بالمئة من المجتمعات المعروفة على مر التاريخ شاركت على الأقل في حرب عرضية، وخاضت العديد منها باستمرار.

 

وفي أوروبا الغربية ومنذ أواخر القرن الثامن عشر كان هناك أكثر من ‬150 من الصراعات والمعارك دارت في ‬600 مكان، غير أن تقرير الأمن البشري لعام ‬2005 وثق انخفاضاً كبيراً في عدد وشدة الصراعات المسلحة منذ نهاية الحرب الباردة في أوائل التسعينات.

 

ومع ذلك، فإن الأدلة التي اختبرت في طبعة عام ‬2008 من مركز التنمية الدولية وإدارة النزاعات في «السلام والصراع» أشارت إلى أن الانخفاض العام في الصراعات قد توقف.

 

وفي كتابه (لماذا تذهب الأمم إلى الحرب؟) أشار المؤلف يوحنا جـ. استوسينجر، إلى أن كلا الطرفين سوف يقولان بأن الأخلاق هي مبرر القتال.

 

لكن تبقى ثلاثة أسباب أساسية للحروب، هي: اقتصادية، ثم استعراضية وشخصية (السلطة، الفخر، الحب)، ثم الأسباب الأيديولوجية ــ الدينية. وجميعها تدور في الشرق الأوسط عدا سبب (الحب)، حيث إن العشاق لا يرون العالم مليئاً بالدم، بل يرونه وردياً يشبه قصص السينما، غير أن الحياة أخطر من السينما بدرجات.