مرة أخرى أعود إلى تلك الحكاية لعل فيها حكمة، لأن حكمة الحكايات لا تموت، حكاية عن صديقين في بلد اشتراكي، لا ينفكان عن الظهور معاً في المناسبات الوطنية، حيث الجماهير تهتف لهما ولحزبهما.

وحيث المهرجانات الحاشدة التي يساق إليها العمال والفلاحون وصغار الكسبة و المثقفون الثوريون، ولا ننسى المدرسين لأنهم النسغ الذي يحمل الفكر إلى شتلات الغد، إنها حكاية عن شخصين يمثلان العالم الاشتراكي بطريقة منهجية تصلح لتدريسها في الأكاديميات.

تقول تلك الحكاية إن أحدهما تدرج في المناصب فأُنتخب أميناً عاماً للحزب الشيوعي في بلده، وتدرج الآخر فعُين رئيساً للوزراء في ذات البلد، وهذا يبرر ظهورهما معاً، فهما ليس مجرد صديقين فقط، بل رفيقان فاعلان في قيادة الدولة، غير أن أمين عام الحزب كان أعلى منصباً من صديقه رئيس الوزراء، لكن الصداقة والرفاقية حولت المناصب إلى شكليات، ولم يأبه أحدهما لمنصب الآخر.

ظل الصديقان على تلك الحال ربع قرن (وهو طبيعي في بلدهما) يحضران معاً كل الاحتفالات والانتصارات و المناسبات الوطنية والاستعراضات العسكرية، وتقدم لهما الزهور عبر طفلتين من شتلات الحزب، ويستمتعان بالهتافات الجماهيرية ويقصان معاً الشريط الحريري، ويرويان الحقول مع الفلاحين، ويضعان باقات الورود على قبر الجندي المجهول، ولا يستثنيان العمال في معاملهم فيضعان واقيات الرأس ويجوبان المصانع لتشجيع الإنتاج الوطني..هكذا طيلة ربع قرن أيضاً.

غير أن الأمين العام للحزب كان يشك (أحياناً) أن الرفيق رئيس الوزراء يخدم مصالح جهة خارجية (يعني تجسس) فيأمر بمراقبة هاتفه وبريده وتحركاته وزواره، ويزرع الأجهزة الدقيقة في حمامه.. دون جدوى، وكلما تعرض أمن الدولة المجيدة لأي مشكلة كان الرفيق أمين عام الحزب يعاود الكرة ويطلب تشديد المراقبة.

حتى جاء ذلك اليوم الذي طلب فيه الرفيق رئيس الوزراء أن يتقاعد لأنه أصبح كبيراً في السن ويريد أن يمضي بقية عمره في بلد هادئ آمن، طبعاً وافق رفيقه أمين عام الحزب، لكنه اشترط عليه الإجابة عن سؤال عمره ربع قرن وقدم له الضمانات، مهما كان الجواب سيظل سراً بين صديقين.

سأله: هل سبق وأن قدمت خدمة لدولة أجنبية؟ قال رئيس الوزراء:نعم لقد فعلت ذلك طيلة ربع قرن، استغرب أمين عام الحزب وقال: كيف كنت تفعل ذلك وأين تلقاهم،وأنا أراقب بريدك وهواتفك وتحركاتك وزوارك، أجاب رئيس الوزراء: قابلتهم مرة واحدة عندما عينتموني في منصبي هذا، وطلبوا مني في تلك المرة عندما يشغر أي منصب في الدولة أن أُعين فيه أقل المرشحين كفاءة.. وقد فعلت ذلك طيلة ربع قرن.