تتسلسل إلى الذاكرة كلمات من مطلع القرن الماضي كانت هدفاً موضوعياً للكتاب وطريقاً ينفدون منه إلى قلب الجماهير، وفلسفة نقلتهم من أزمنتهم إلى يومنا، وهاهم أحياء بعد قرن من رحيلهم، تحضر كلماتهم في الشوارع والميادين وكأنها خلقت لهذا الزمان وليس لزمانهم.
منذ حرق كتب ابن رشد، وعددها 108 كتب، عام 1189، وحتى حرق كتاب طه حسين «في الشعر الجاهلي» عام 1926، كان ذلك إيذانا بخروج العرب والمسلمين من العالم المعاصر ونكوصهم إلى الماضي السحيق.
وكان علامة على إهدار النهضة وعدم قبولها وإجهاض حلم رواد النهضة.
لقد جرد أعداء التنوير المفكر علي عبد الرازق من شهادته الأزهرية عام 1924 نتيجة لإصداره كتاب «الإســـلام وأصـــول الحكـــم»، واغتالوا حسـين مـــروة ومهــدي عامل وفـــرج فـــودة.
وطعنوا نجيب محفوظ بعد مقولة عمر عبد الرحمن الشهيرة «لو نفذ قتل نجيب محفوظ في (أولاد حارتنا) لتأدب سلمان رشدي»، وفرقوا نصر حامد أبو زيد عن زوجته وسجنوا علاء حامد وهددوا نوال السعداوي وسيد القمني.
أعداء التنوير اليوم أكثر خطورة من أعداء الأمس وهم يستخـدمــــون أسلحة أخطر وخاصة منابر الفضـاء التي من خلالها يخدعون البسطاء وأنصاف الأميين .
وأنصاف المتعلمين ويوهمونهم أن العلمانيـــة هي الكفر والإلحاد، دون أن يدخلوا في نقـــاش معمـــــق عن مفهوم العلمانيـــة، دون أن ينظـــروا إلى التجربـــة التركيـــة التي اتسع طيفهـــــا التأثيري ليواكب العصر ويماشـــي حيــــاة النـــاس ومستقبلهم.
يقول الإمام المتنور (محمد عبده 1849 ـ 1905) أن كثيراً من الناس تعظم في وهمه صغار الأمور.
وتقوى في مخيلته ضعاف الأتعاب والمشقات، فيخلد إلى أرض الخمول والتخلي عن الأعمال، ظناً منه أن هذا خير له من الإقدام على العمل المقرون ببعض التعب، فإذا خاف الإنسان تلك الآلام الوقتية، وهوّلها له الوهم،.
فأقعده الخوف عن الجد في تحصيل العزة تدركه الشقوة ويصير من الأذلاء، وما سبب هذا إلا خوف الذل والشقاء، ومن أجل ذلك ترى ضعفاء النفوس الذين يعلمون من ذواتهم العجز عن بلوغ ما يأملون.
وعليه يدرك «دعاة الإرهاب» جيدا أن الإرهاب فكر ولهذا يعادون بشراسة أي فكر تنويري، ولا يتورعون عن وصفه بالكفر والتخوين والترهيب لأن في ذلك ضمانة أكيدة لاستمرار إذلال الناس وإفقارهم واستعبادهم.
فما بالنا إن أضفنا إلى ما تقدم مفاهيم تخدم المرحلة مثل »الطائفية« أو» العمالة « أو «جهات خارجية»، وما أدراكم ما الجهات الخارجية!.