من خيال الشعوب وقصصها يستخلص البعض الحكمة ويرسلها عبر الزمن لتطابق الواقع، ولطالما كانت المرويات الشعبية شديدة الالتصاق بالمعنى لبساطتها وقوة تأثيرها فضلاً عن مغزاها الذي يصيب هدفه بسهولة، فيتأمله الناس عبر أزمنتهم وأمكنتهم لأنه يلمس جرحهم ويصف حالهم.
من تلك الأزمنة جاءت هذه الحكاية: أن أحد أبناء ملك قبيلة في بلاد ما وراء الشمس طلب من أبيه أن يحكم شعب تلك القبيلة الطيب، فوافق الأب على تحقيق أمنيته شريطة أن يأخذ قفصا فيه مجموعة من الصيصان (الكتاكيت) إلى ميدان عام ويطلقها هناك، ثم عليه تجميعها مرة أخرى داخل القفص فضحك الابن وقال: «إذا كان حكم الشعوب بسهولة تجميع الكتاكيت فأنا لها بكل تأكيد»، فابتسم الحاكم بخبث وأعطى ابنه قفصا مليئا بالكتاكيت وقال له أرني براعتك.
أخذ الولد «الطموح» القفص وانطلق إلى ميدان عام، وفتح باب القفص فانطلقت الكتاكيت في كل الاتجاهات لتملأ الميدان والشوارع المجاورة، بينما الابن حائراً وعاجزاً عن تجميعها، وفشل في مهمته وعاد خائبا إلى أبيه فأحضر الملك قفصاً آخر، ووضع فيه مجموعة من الكتاكيت وطلب من ابنه تعلم «سر المهنة».
راح الملك يهز القفص والكتاكيت بداخله، تارة بعنف وتارة برفق، إلى أن «داخت» و«استكانت». فطلب من ابنه الذهاب بها مرة أخرى إلى الميدان العام وإعادة المحاولة. فهرع الولد «المبتدئ» إلى الميدان وفتح باب القفص وكانت المفاجأة، لم تبرح أي من الكتاكيت مكانها وبقيت تترنح داخل قفصها. فرجع إلى والده بالقفص والكتاكيت والدهشة تملأ وجهه، فضحك الملك وقال هكذا تحكم الشعوب يا بني.
المغزى ليس في الدرس الذي تعلمه الولد بل في الكتاكيت التي هي شعوب مغلوب على أمرها، وكأنها في قفص الفقر والذل والمهانة، حبيسة يأسها تعاني من عنف القفص، حالها حال من غابت عنه الحياة بحريتها فلم يجد سبيلاً إلى الخارج، وقد أوقعها جوعها فريسة لظالمها، وأعاقها عن تلمس طريقها إلى حياة أفضل.
وهاهي الثورات العربية تذهب في تخبطها من القفص نحو الترنح وإضاعة السبيل بعدما وجدته، بمشقة لأنها ثورات عفوية لشعوب غابت عنها الحرية طويلاً، مثلما غابت عنها الحياة السياسية، فترنحت داخل قفصها، تخشى من مجهول يقفز إلى كرسي الملك أو من مغامرين يجيدون خض الشعوب وترويعهم أو من خبراء هز الأقفاص، فتتحول ثوراتهم إلى فورة شعبية همها فتات خبز داخل قفص كبير.