تعود للواجهة كتب عصر التنوير بعد مرور أكثر من قرن على وضعها،حاملة معها أفكاراً كنا نعتقد بموتها، لكن سرعان ما اكتشفنا أنها لا تزال تعيش معنا، كتب تحميها الوقائع الراهنة من الاندثار، لأن العصر الذي كتبت فيه يتكرر بصورة أخرى وبرموز جديدة، وما أحوجنا اليوم للمتنورين ولأفكارهم.. لكتبهم، وتحليلاتهم، وقراءتهم لحال أمتهم أمس واليوم ومستقبلاً.

في كتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) الذي طبع لأول مرة عام ‬1900 للمتنور عبد الرحمن الكواكبي(‬1854ـ ‬1902) يشخص الكاتب ما يسميه داء الاستبداد السياسي، ويصف أقبح أنواعه : استبداد الجهل على العلم واستبداد النفس على العقل. ويقول (خلق الله الإنسان حرّا، قائده العقل فكفر وأبى إلا أن يكون عبدًا قائده الجهل، ويرى أن المستبد فرد عاجز، لا حول له ولا قوة إلا بأعوانه أعداء العدل وأنصار الجور. وأن الاستبداد أصل لكل فساد).

ويقول أيضاً (تواسي فئة من أولئك المتعاظمين باسم الدين الأمة فتقول :يا بؤساء هذا قضاء من السماء لا مرد له، فالواجب تلقيه بالصبر والرضاء والالتجاء إلى الدعاء، فاربطوا ألسنتكم عن اللغو والفضول، واربطوا قلوبكم بأهل السكينة والخمول، وإياكم والتدبير فإن الله غيور، وليكن وردكم: اللهم انصر سلطاننا، وآمنّا في أوطاننا، واكشف عنّا البلاء، أنت حسبنا ونعم الوكيل).

هل ننظر حولنا ونرى حقيقة ما قاله الكواكبي قبل قرن، ونتلمس الجراح التي كنا نعتقد أنها برأت، تلك الجراح التي سافرت من زمن إلى زمن ومن أرض إلى أرض هاهي اليوم تلتهب وتؤلم ويصرخ لهولها الشعب، شعب بسيط أعزل لا يعرف الكثير عن السياسة ولكنه يريد الحرية ونسيمها، أي خطأ في ذلك حتى يردى بالرصاص، أو يساق إلى السجون، شعب انتفض ضد الاستعمار غضباً وهاهو ينتفض ضد المستبد قهراً.

كتب الكواكبي رؤوس مقالات (طبائع الاستبداد) في حلب، ثم سافر شرقاً نحو الهند بعد مضايقات السلطة العثمانية، ولم يعد إلى وطنه بل ذهب إلى مصر، واستقر هناك حتى مقتله بدسم السم في قهوته تاركاً خلفه فكراً حراً متنوراً ما أحوجنا إليه اليوم، رثاه كبار رجال الفكر والشعر والادب في سوريا ومصر ونقش على قبره بيتان لحافظ إبراهيم:

 

هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى

هنا خير مظلوم هنا خير كاتـب

قفوا واقرؤوا (أم الكتاب) وسلموا

عليه فهذا القبر قبر الكواكبي