(قد تستطيع أن تجبر الحصان أن يذهب للنهر، لكنك أبدا لن تستطيع أن تجبره أن يشرب منه) يقفز هذا المثل الانجليزي إلى ذهني كلما رأيت مظاهرة تهتف بالروح بالدم نفديك، أوالشعب يريد إسقاط النظام، وأحياناً يتبادل المتظاهرون المواقـــع بين المــوالاة والمعارضة، على إيقاع اللاوعي، فمن يفـــدي بروحه زعيمـــاً جاثماً على صدره منذ عقود! ومن هو الشعب الذي يسقط النظام بهتافه فقط ؟
هل حقاً ان الشعوب التي تهتف لمستبديها تعني الموت في سبيلهم، تلك الجموع التي تساق بالسياط إلى الساحات، التي تذهب إلى النهر، لكنها لا تشرب، شعوب تهتف مجاناً، خوفاً من الجلاد، خوفاً من الزنازين، شعوب تهتف قهراً ويأساً، حالها حال الندابـــات اللواتـــي يلطمن خلف الميت، ميـــت لا يعرفنه لكنهـــن يبكين حالهــن وقلة حليتهن وكأنهن داخل التابوت.
ذات حكاية، أن أحد الأطفال كان لديه سلحفاة يطعمها ويلعب معها، وفي إحدى ليالي الشتاء الباردة جاء الطفل لسلحفاته العزيزة فوجدها قد دخلت في غلافها الصلب طلبا للدفء. فحاول إخراجها فلم يفلح، ضربها بالعصا فلم تأبه، صرخ فيها فزادت تمنعا. فدخل عليه أبوه وهو غاضب حانق وقال له : ماذا بك يا بني ؟ فحكى له مشكلته مع السلحفاة، فابتسم الأب وقال له دعها وتعالى معي..ثم أشعل الأب المدفأة وجلسا بجوارها يتحدثان ورويدا رويدا وإذ بالسلحفاة تقترب منهم طالبة الدفء.
قال الأب لطفله بحكمة: يا بني الناس كالسلحفاة إن أردتهم أن ينزلوا عند رأيك فأدفئهم بعطفك، ولا تكرههم على فعل ما تريد بعصاك. وهذه إحدى أسرار الزعامة فهم يدفعون الناس إلى حبهم وتقديرهم ومن ثم طاعتهم..عبر إعطائهم من دفء قلوبهم ومشاعرهــم الكـــثير والكـــثير. كذلك البشــر يا بني يمكنك إرهابهــم وإخافتهــم بسطوة أو مُلك.. لكنك أبدأ لن تستطيع أن تسكن في قلوبهم.
لو التفتنا صوب الحكاية الشعبية واستخلصنا منها العبرة والحكمة لأدركنا ما نحن عليه، لكن من يقود الخيل نحو النهر، السلاحف نحو الضوء، ويسيس الجماهير صوب الساحات لن يحصل سوى على تلك الحناجر المخادعة وهي تصرخ طلباً للانعتاق من نير الظلم، الظلم الذي كنا نعتقد أن الاستعمار هو من مارسه في بلادنا، ولكن كم احتجنا من وقت لنكتشـــف ما قالـــه طرفـــه بن العبد:
وظلم ذوي القربى اشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهند