ينحاز «التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية» الصادر حديثاً عن مؤسّسة الفكر العربي إلى توصيف الحالة الثقافية العربية متبعاً المنهجية في الطرح، والشمولي في الرصد وهما ذات الطريقة التي اتبعها التقرير في العامين السابقين 2008 و2009، في رصده واقع التنمية الثقافية في البلدان العربيّة أو ما توفر منها بين يدي لجنة التقرير.
تضمن التقرير خمسة ملفّات أساسيّة هي: التعليم (تنوّع مؤسساته، الفرص الدراسيّة، أزمة ضبط الجودة والإنسانيّات والعلوم الاجتماعيّة في صلب التنمية...إلخ)، الإعلام (بتجلّياته المقروءة والمرئيّة والرقميّة)، حركة التأليف والنشر، الإبداع (بتجلّياته في الأدب، والسينما، والمسرح، والموسيقى، والغناء)، إضافة إلى جزء خاص عن الحصاد الثقافي السنوي في العالم العربي خلال العام 2009.
إلا إن التقرير كان يحاول نقل صورة الواقع نقلاً علمياً، وموضوعياً، دون النظر إلى فروقات الأيديولوجيا؟ التي تحكم كل بلد عربي لأن مفهوم الأيديولوجيا حمّال أوجه، ولاسيما بعد كلّ التحولات التي طرأت عليه خلال العقدين المنصرمين، وبعد كلّ المستجدات السياسية والاجتماعية الحاصلة في العالم. إذ بات مفهوم الأيديولوجيا أكثر تعقيداً مما كان عليه من قبل.
صورة التقرير قاتمة في مفهوم التنمية وخاصة في حجمها العلمي،رغم أنها تجاوزت الأعوام السابقة لكنها لا تزال أقل من المعدل المطلوب لحدوث تنمية تحول دون ضبط ظاهرة «نزف الأدمغة» المستمرّة منذ عقود والتي زادت خلال العقدين المنصرمين؟
ناهيك عن الخلل في العلاقة بين منتج الثقافة ومستهلكها،وخاصة الثقافة الرقمية التي يدفع محتواها إلى الخجل من الطريقة التي يستخدمها المدونون للإفصاح عن آرائهم.
لقد كانت عمليات البحث التي يسعى أصحابها من خلالها للتواصل رقميّاً مع الفكر وأعلامه وقضاياه في الوطن العربي، أقل من نصف متوسّط عمليات البحث التي يسعى أصحابها للتواصل رقميّاً مع المطربين أو مشاهير السينما والتلفزيون، بمعنى أن أي مطربة تبوس الواوا حتى مطلع الفجر تتفوق قبيلة من المفكرين العرب وغيرهم ممن تركوا بصمات على الفكر الإنساني.
صورة التقرير قاتمة في مجمل المشهد الثقافي، إذا قارناها ببلد مثل تركيا حيث تتشابه المعطيات الاجتماعية والعقائدية وتتقارب العادات والتقاليد، تركيا تتفوق، بينما العرب يتراجعون، لكن صورة التقرير مشرقة لو قارناها ببلد مثل بنغلادش، حيث تتفوق البلدان العربية على هذا البلد الفقير الذي يعيش فرده على دخل أقل من نصف دولار يومياً، ولا يجوز مقارنة حال الثقافة العربية بدول أخرى مثل اسبانيا، لأننا سنظلم الأسبان الذين دكت مضاجعهم خيولنا ذات تاريخ.