جلس رجل أعمى على قارعة الطريق واضعاً قبعته بين قدميه وبجانبها لوحة مكتوب عليها (أنا أعمى، أرجوكم ساعدوني)، لكن المارة لم يجدوا سبيلاً إلى مساعدته سوى قروش قليلة يرمونها على عجل ويغادرون، وفي لحظة بارقة من الحياة مرَّ شخص أمامه ولم تعجبه العبارة، ودون أن يستأذن من الأعمى أخذ لوحته وكتب عليها عبارة أخرى وأعادها إلى مكانها ومضى في طريقه.
بعد قليل شعر الأعمى أن قبعته بدأت تمتلئ بالنقود، وأدرك أن شيئاً قد تغير، فسأل أحد المحسنين عما هو مكتوب في اللوحة فقرأ المحسن (نحن في فصل الربيع.. لكنني لا أستطيع رؤية جماله).
لقد استطاعت بضع كلمات قليلة من جعل الأعمى موقع احترام وتعاطف وليس مجرد إحسان عابر، كلمات دفعت الناس إلى مقارنة حياتهم المضيئة بحياة هذا البائس المحروم من النور، كانت التفاتة بسيطة من شخص بصير مبصر لمساعدة الآخرين دون أن تكلفه شيئاً، ودون انتظار لرد الجميل، لقد كان مجرد عابر سبيل أحدث فارقاً سعيداً في يومه، ليس للأعمى فقط، بل لنفسه أيضاً، لقد أعطى مخلوقاً بائساً قطرة من بحر الحكمة، ففاضت شعوراً بالرضا.
حياتنا مليئة باللحظات الوامضة لو التفتنا إليها قليلاً لحدث ذلك الفارق المدهش بين رتابة العيش، وجماله، والجمال ليس ما تراه العين فقط، انه الشعور بالسعادة، السعادة التي تعززها قوة الحياة وعذوبتها، حنانها وحنوها بما يتركه البشر من آثر في من حولهم، عبر كلمة أو لفتة أو سلوك تسجله النفوس ببهاء ويوقر في الوجدان ويبقى في الذاكرة، وهل أعذب من حكاية بائع الزهور.. فقد كان يصر على إيصال طلبات الزهور بنفسه إلى المرسلة إليهم، وفسر ذلك قائلاً: هل أفوت على نفسي لحظات الفرح التي تعلو وجوه الناس عندما يتلقون زهور من أحبتهم.
حكاية الأعمى تتشابه مع آلاف غيرها، ولكنها تختلف في طاقتها الأخلاقية، حيث ينهض مفهوم الآخر الضعيف دون منة أو تصغير، فقط يد ممدودة، لا يراها، لكنها تفيض مؤازرة، وحين يرى أبناء المجتمع أنفسهم من خارج دائرة الامتنان، يعرفون قيمة العطاء دون مقابل، تلك هي الحكاية التي ضربت عميقاً في الوجدان، لكأنها تعطي تلميحاً لكل منا أن يكون بطلاً في حكاية مماثلة.