لأن العزلة أصبحت خياراً شخصياً، سعى الملايين حول العالم إلى التوجه نحو موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» ليعيشوا أحراراً في عزلتهم، وليبنوا دولتهم التي تجاوز عدد سكانها نصف مليار شخص، وكأنهم يدخلون وطناً جديداً هو الأكبر بعد الصين والهند، عزلة اختيارية جعلت من التواصل الاجتماعي ـــ رغم المسافات ــــ ممكناً حتى لو اختلفت المواقيت وتباعدت الجغرافيا.
غير أن علم النفس توقف طويلا عند الشخصية الانعزالية، وعرّفها أنها شخصية قليلة الكلام تتحاشى الناس بإرادتها،وتستمتع عندما تكون وحيدة وتقلق عندما تكون بين الناس،وهواياتها فردية مثل القراءة والتأمل والاستماع للموسيقى، وليس لها أصدقاء كثيرون، وهي لا تجيد التعبير عن انفعالاتها،وتجد صعوبة في التعبير عن أفكارها، ولا تتحدث بلباقة ولكنها تجيد التعبير على الورق، وتجد هذه الشخصية صعوبات كثيرة في التعامل مع الجنس الآخر، ولكن هذا لا يمنع الانعزالي من أن يقع في الحب بل ويكون أعمق إحساسا وأكثر رومانسية.
تنطبق التعريفات السابقة على المثقف بحدود تصل إلى 75 ٪ ويزيد عليها تبرمه الدائم ونقده لمحيطه وموقفه السلبي من الحياة عامة، ترى هل أعطاه التواصل عبر الفيسبوك مساحة للتعبير عن الرأي ونشر لفكره أم انه كان وسيله للترفيه فقط، كما هو الحال بالنسبة للملايين؟ الجواب عند المثقف طبعاً، ونظرة سريعة على مواقع المثقفين تثبت صحة وجهة النظر أو عدمها.
لماذا يعزل المثقف نفسه ولا يتخذ موقفا تجاه القضايا الكبرى المحيطة به، ولماذا يكرس التصور الشمولي الخاطئ عن الفعل الثقافي ودور المثقف في المجتمع، ولماذا صورة المثقف مأسورة بصورة المثقف الشيوعي صاحب القضية الذي يحمل صليبه على ظهره؟ تلك النظرة الباقية من ستينات القرن الماضي، ويصر على استمرارها كضمان للنوع أو كتميز عن الآخرين، نفس الصورة الباقية من الأمس تتكرر في حداثة اليوم.
عزلة المثقف يكرسها مفهوم الفيسبوك في عصر التقنية الحديثة ويزيد عليها الملايين الذين ينضمون إليه بشكل لا شعوري، ليس إيماناً بأفكاره بل بطريقة عيشه الانسحابية، وليس في برج عاجي، كما يتصوره البعض، لقد استعذب الملايين مفهوم العيش الانسحابي فاختاروه وطناً افتراضياً خلف آلات جامدة، وحولوه إلى وطن بديل يستطيعون من خلاله التحكم في وجودهم أو عدمه، إنهم حاضرون وغائبون، مجهولون ومعروفون، يتنفسون وهم أموات، إنهم أحياء في عزلة.